فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 318

لعل هذه النماذج المختلفة من الاجتهادات والأحكام في عصور وبيئات، وللمجتهدين من مذاهب واتجاهات مختلفة، توضح ما ألمعنا إليه في الفصل السابق من التباس معالم ماهية النقد وعدم التمايز بين الماهية النقدية وعينية النقد، أو المادة التي تصنع منها النقود على اختلافها في مدارك الفقهاء التباسًا ترتبت عنه تلقائيًّا وطبيعيًّا اضطراب عجيب في فتواهم وأحكامهم المتصلة، بألوان من المعاملات، لا سيما ما كان منها تعاملًا بغير الذهب والفضة من النقود التي كانت حديثة نسبيًّا لدى العرب خاصة ولدى المسلمين المتأثرين عامة بالتصورات العربية عامة.

ويتضح هذا الالتباس بأجلى مظاهره في تأثرهم وهم يصدرون أحكامهم تلك تأثرًا واضحًا بصيغة لفظية كان ينبغي أن لا يكون لها أي تأثير هي صيغة"اشترى"و"باع". ذلك بأن هذه الصيغة عرفها العرب واستعملها القرآن الكريم نفسه، وكذلك السنة النبوية في معناها اللغوي الأصيل، وهي التبادل أي مبادلة الشيء بالشيء، لذلك جاءت النصوص المتصلة بـ"الصرف"، في الحديث النبوي الشريف، وفي آثار الصحابة معبرًا فيها بـ"الشراء"و"البيع"، ولسنا بحاجة إلى أن نسوق أمثلة منها بحسبنا أن نحيل على الفصل"أحاديث في الصرف" (1) ، والفصل التالي له"أحكام اضطراب العملة في آثار الصحابة قولًا وعملًا"، بيد أننا نضيف هنا إلى ما في الفصلين المذكورين آنفًا أثرًا نحسبه يعكس طبيعة الالتباس الذي نحن بصدده، والذي حمل الكثير من الفقهاء والمتفقهة على الخلط بين ماهية النقد وعينية النقود، وعلى الاضطراب في إصدار الأحكام المتعلقة بالفلوس ذلكم هو أثر عبد الله بن الصامت الذي أخرجه كل من أحمد وابن سعد، ولفظه من أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن سعد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت، أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه، قال: ففضل معها سبع، قال: فأمرها أن تشتري به فلوسًا، قال: لو ادخرته لحاجة تنوبك أو لضيف ينزل بك، قال: إن خليلي عهد إلى أن أيما ذهب أو فضة أوكي عليه، فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله (2)

(1) انظر فصل"من أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف".

(2) انظر طرق هذا البحث في بحثنا"الإسلام وانتزاع الملك للمصلحة العامة"في فصل (في المال حق سوى الزكاة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت