معنيان: أحدهما أن القراض معاملة تشتمل على أغرار؛ إذ العمل غير مضبوط والربح غير موثوق به، وإنما جوزت للحاجة فتختص بما شهر التجارة عليه وتروج بكل حال، وأشهرهما، وهو المذكور في الكتاب - يعني الوجيز الذي يشرحه-: أن النقدين ثمنًا لا يختلفان بالأزمنة ولا أمكنة إلا قليلًا ولا يقومان بغيرهما. والعروض تختلف قيمتها، فلو جعل شيء منها رأس مال لزم أحد أمرين: إما أخذ المال في جميع الربح، أو أخذ العامل بعض رأس المال ووضع القراض على أن يشتركا في الربح، وينفرد المالك برأس المال. ووجه لزوم أحد الأمرين أنهما إذا جعلا رأس المال ثوبًا فإما أن يشترطا رد ثوب بتلك الصفات أو رد قيمته إن شرطا الأول فربما كان قيمة الثوب في الحال درهمًا ويبيعه ويتصرف فيه حتى إذا بلغ المال عشرة ثم ترفع قيمة الثياب، فلا يوجد مثل ذلك الثوب إلا بعشرة فيحتاج العامل إلى صرف جميع ما معه إلى تحصيل رأس المال، فيذهب الربح في رأس المال وربما كانت قيمته عشرة فباعه ولم يربح شيئا ثم صار يؤخذ مثله بشيء يسير فيشتريه ويطلب قيمة الباقي فحينئذ يفوز العامل ببعض رأس المال وإن شرطا رد القيمة فإما أن يشترطا قيمة حال المفاصلة أو قيمة حال الدفع الأول غير جائز؛ لأنها مجهولة، ولأنه قد تكون قيمته في الحال درهمًا وعند المفاصلة عشرة فيلزم المحذور الأول، والثاني غير جائز لأنه قد تكون قيمته في الحال عشرة. وتعود عند المفاصلة إلى درهم فيلزم المحذور الثاني.
وفي النفس حسيكة من هذا الكلام؛ لأن لزوم أحد الأمرين مبني على أن رأس المال قيمة يوم العقد أو يوم المفاصلة، وبتقدير جواز القراض على العرض يجوز أن يكون رأس المال ذلك العرض بصفاته من غير نظر إلى القيمة، كما أنه المستحق في السلم، وحينئذ إن ارتفعت القيمة فهو كخسران حصل في أموال القراض، وإن انخفضت فهو كزيادة قيمة فيها.
وعن الشيخ أبي محمد، أنه كان يعول في اختصاص القراض بالنقدين على الإجماع، ولا يبعد أن يكون العدول إليه بهذا الإشكال ويترتب على اعتبار النقدية امتناع القراض على الحلي والتبر، وكل ما ليس بمضروب لأنها مختلفة القيمة كالعروض.
وكذلك لا يجوز القراض على الفلوس، ولا على الدراهم والدنانير المغشوشة، لأنها نقد وعرض. وحكى الإمام وجهًا أنه يجوز القراض على المغشوش اعتبارًا برواجه، وادعى الوفاق على امتناع القراض في الفلوس. لكن صاحب التتمة ذكر فيها أيضًا الخلاف. وعن أبي حنيفة يجوز القراض عن المغشوش إذا لم يكن الغش أكثر.
قال الرافعي في (المجموع - التكملة الثانية: 14/ 357، 358 في معرض كلامه عن القراض) :