ولهم اختلافات في تفاصيل غير هذه تأتي في المرتبة الثانية من الاعتبار وأهمها سبب تسمية بعض النقود المسكوكة في عهد عبد الملك بـ"المكروهة". فمن قائل أن فقهاء معاصرين له كرهوها لأنه نقش عليها آيات قرآنية أو بعض أسماء الله أو بعض الصور ورأوا في ذلك تعريضًا للقرآن أو لأسماء الله أن يقع في يد من لا يجوز له حمله كالمشرك والحائض والجنب أو ممارسة لما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم"عنه"من التصوير.
ومن قائل أن السبب هو أن قيصر الروم كره نقود عبد الملك لما نقش فيها من ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنذره إن لم يكف عن ذلك أن ينقش في النقد الذي لم يصدره إليه ذكرًا سيئًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومع أن هذا القول قد يكون وجيهًا إلا أن ما يريب فيه هو أن القيصر قد أدرك من غير شك حين شرع عبد الملك في إصدار النقد الإسلامي أن اعتماد المسلمين على النقد المصدر إليهم من بيزنطة قد انتهى عهده، والأقرب إلى الاحتمال في هذه الحال أن لا يلجأ إلى التهديد ليبقي على إمكان استمرار النقد المصدر من بيزنطة إلى جانب التعامل بالنقد المسكوك في الدولة الإسلامية فذلك أجدى له اقتصاديًّا ولم يعرف البيزنطيون بشدة التشنج والانفعال كما عرف الأكاسرة بل كانوا ألين جانبًا وأدنى إلى تفهم مستلزمات التعايش بينهم وبين الدولة الناشئة لاعتبارات اقتصادية ولأن المسيحية ليس من خلقها التشنج والانفعال.
على أن من المؤرخين المحدثين من كان أوسع أفقًا وأعمق بحثًا من نقلة الروايات الإسلامية القديمة في استجلاء العوامل التي حملت العرب في الجاهلية ثم في الإسلام إلى التعامل بالنقد ثم إلى سكه ومصادر النقد الذي تعاملوا به في الجاهلية وفي صدر الإسلام وأسباب اختلاف أوزانه وما إلى ذلك من الآثار الاقتصادية والسياسية المكيفة لمسار التعامل العربي بالنقد واردًا أو منتجًا محليًّا.
وليتضح للقارئ ما أجملناه في هذه الحوصلة من الأقاويل والآراء ونتائج الدراسة والبحث نضع بين يديه ما اصطفيناه من الروايات إذا ارتأينا بمجموعه أنه يصور ما لناقليه القدماء والمحدثين في هذا الشأن.
وقد يكون من الأنسب أن نقدم على الروايات القديمة تحريرين جليلين لمؤرخين متميزين من المحدثين فيهما ما نعتبره التحديد والتصوير الصحيحين لنشأة النقد وتطوره عند العرب والمؤرخان هما ديورانت وجواد علي.