فهرس الكتاب

الصفحة 5229 من 5637

الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ بِعَسَاكِرِهِ قَاصِدًا عَكَّا، فَتَوَافَتِ الْجُيُوشُ هُنَالِكَ، فَنَازَلَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ رَابِعِ (1) رَبِيعٍ الْآخِرِ ونصبت عليها المناجيق (2) مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ يُمْكِنُ نَصْبُهَا عَلَيْهَا، وَاجْتَهَدُوا غَايَةَ الِاجْتِهَادِ فِي مُحَارَبَتِهَا وَالتَّضْيِيقِ عَلَى أَهْلِهَا، واجتمع الناس بالجوامع لِقِرَاءَةِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، فَقَرَأَهُ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ الفزاري، فحضر الْقُضَاةُ وَالْفُضَلَاءُ وَالْأَعْيَانُ.

وَفِي أَثْنَاءِ مُحَاصَرَةِ عَكَّا وَقْعَ تَخْبِيطٌ مِنْ نَائِبِ الشَّامِ حُسَامِ الدِّينِ لَاجِينَ، فَتَوَهَّمَ أَنَّ السُّلْطَانَ يُرِيدُ مَسَكَهُ، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ الْأَمِيرُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ أَبُو خُرْصٍ (3) ، فَرَكِبَ هَارِبًا فَرَدَّهُ عَلَمُ الدِّينِ الدويداري بالمسا به وَجَاءَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَطَيَّبَ قَلْبَهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَبَعَثَهُ إِلَى قَلْعَةِ صَفَدَ وَاحْتَاطَ عَلَى حَوَاصِلِهِ، وَرَسَمَ على أستاذ داره بَدْرِ الدِّينِ بَكَدَاشَ، وَجَرَى مَا لَا يَلِيقُ وُقُوعُهُ هُنَالِكَ، إِذِ الْوَقْتُ وَقْتُ عُسْرٍ وَضِيقٍ وَحِصَارٍ.

وَصَمَّمَ السُّلْطَانُ عَلَى الْحِصَارِ فَرَتَّبَ الْكُوسَاتِ ثلثمائة حِمْلٍ، ثُمَّ زَحَفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَابِعَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى (4) وَدُقَّتِ الْكُوسَاتُ جُمْلَةً وَاحِدَةً عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَطَلَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَسْوَارِ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَنُصِبَتِ السَّنَاجِقُ الْإِسْلَامِيَّةُ فَوْقَ أَسْوَارِ الْبَلَدِ، فَوَلَّتِ الْفِرِنْجُ عِنْدَ ذَلِكَ الْأَدْبَارَ، وَرَكِبُوا هَارِبِينَ فِي مَرَاكِبِ التُّجَّارِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَدَدٌ لا يعلمه إِلَّا اللَّهُ

تَعَالَى، وَغَنِمُوا مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالرَّقِيقِ وَالْبَضَائِعِ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا، وَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِهَدْمِهَا وَتَخْرِيبِهَا، بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَسَّرَ اللَّهُ فَتَحَهَا نَهَارَ جُمُعَةٍ، كَمَا أَخَذَتْهَا الْفِرِنْجُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ (5) ، وَسَلَّمَتْ صور وصيدا قيادتهما إِلَى الْأَشْرَفِ، فَاسْتَوْثَقَ السَّاحِلُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَنَظَّفَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَجَاءَتِ الْبِطَاقَةُ إِلَى دِمَشْقَ بذلك ففرح المسلمون، ودقت البشائر في سائر الْحُصُونِ، وَزُيَّنَتِ الْبِلَادُ لِيَتَنَزَّهَ فِيهَا النَّاظِرُونَ وَالْمُتَفَرِّجُونَ، وَأَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى صُورَ أَمِيرًا فَهَدَمَ أَسْوَارَهَا وَعَفَا آثَارَهَا.

وَقَدْ كَانَ لَهَا فِي أَيْدِي الْفِرِنْجِ مِنْ سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ.

وَأَمَّا عَكَّا فَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ أَخَذَهَا مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ، ثُمَّ إِنَّ الفرنج جاؤوا فَأَحَاطُوا بِهَا بِجُيُوشٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ جَاءَ صَلَاحُ الدِّينِ لِيُمَانِعَهُمْ عَنْهَا مُدَّةَ سَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ شَهْرًا، ثم آخِرِ ذَلِكَ اسْتَمْلَكُوهَا وَقَتَلُوا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ.

ثُمَّ إِنَّ السُّلْطَانَ الْمَلِكَ الْأَشْرَفَ خَلِيلَ بْنَ الْمَنْصُورِ قَلَاوُونَ سَارَ مِنْ عَكَّا قَاصِدًا دِمَشْقَ فِي أُبَّهَةِ

(1) في السلوك 1 / 764: ثالث ربيع الآخرة.

(2) في السلوك: المجانيق (انظر مختصر أبي الفداء 4 / 24) .

(3) وهو علم الدين سنجر الحموي (مختصر أبي الفداء 4 / 26، السلوك 1 / 767) .

(4) في مختصر أبي الفداء 4 / 25 وتذكرة النبيه 1 / 137 بدائع الزهور 1 / 1 / 368: جمادى الآخرة.

(5) كان ذلك يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة 587 هـ.

واستولى يومئذ الفرنج على من بها من المسلمين ثم قتلوهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت