فهرس الكتاب

الصفحة 4367 من 5637

بحمائل عَنِ السَّرِيرِ وَلَفُّوهُ فِي كِسَاءٍ وَحَمَلُوهُ إِلَى الْخِزَانَةِ بِدَارِ الْمَمْلَكَةِ، وَتَشَاغَلَ النَّاسُ بِالنَّهْبِ وَلَمْ يدر أكثر الناس ما الخطب وما الخبر، حتى أن كبير المملكة بهاء الدولة ظن الناس أنه هو الذي مسك، فنهبت الخزائن والحواصل وأشياء من أثاث دار الخلافة، حتى أخذ ثِيَابُ الْأَعْيَانِ وَالْقُضَاةِ

وَالشُّهُودِ وَجَرَتْ كَائِنَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وَرَجَعَ بِهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى دَارِهِ وَكَتَبَ على الطائع كتابًا بالخلع من الخلافة (1) ، وأشهد عليه الأشراف وغيرهم أنه قد خلع نفسه من الْخِلَافَةِ وَسَلَّمَهَا إِلَى الْقَادِرِ بِاللَّهِ، وَنُودِيَ بِذَلِكَ في الأسواق، وسبقت الدَّيْلَمُ وَالْأَتْرَاكُ وَطَالَبُوا بِرَسْمِ الْبَيْعَةِ، وَرَاسَلُوا بَهَاءَ الدَّوْلَةِ فِي ذَلِكَ وَتَطَاوَلَ الْأَمَرُ فِي يَوْمِ الجمعة، ولم يُمَكَّنُوا مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِصَرِيحِ اسمه، بل قالوا اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله، ثم أرضوا وجوههم وأكابرهم وأخذت البيعة له وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ، وَأَمَرَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ بِتَحْوِيلِ جَمِيعِ ما في دار الخلافة من الأواني والأثاث وغيره إلى داره، وأبيحت للعامة والخاصة، فقلعوا وشعثوا أبنيتها، هذا وَالْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ قَدْ هَرَبَ إِلَى أَرْضِ الْبَطِيحَةِ من الطائع حين كان يطلبه، ولما رجع إلى بغداد مانعته الديم مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا حَتَّى يُعْطِيَهُمْ رَسْمَ الْبَيْعَةِ، وجرت بنهم خُطُوبٌ طَوِيلَةٌ، ثُمَّ رَضُوا عَنْهُ وَدَخَلَ بَغْدَادَ، وكانت مدة هربه إلى أرض البطيحة ثلاث سنين.

ولما دخل بغداد جلس في اليوم الثاني جلوسًا عامًا إلى التهنئة وَسَمَاعِ الْمَدَائِحِ وَالْقَصَائِدِ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي الْعَشْرِ الأخير من شوال، ثم خلع على بهاء الدولة وفوض إليه ما وراء بابه، وكان الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ مِنْ خِيَارِ الْخُلَفَاءِ وَسَادَاتِ العلماء في ذلك الزمان، وكان كثير الصدقة حسن الاعتقاد، وصنف قصيدة فِيهَا فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَكَانَتْ تُقْرَأُ فِي حِلَقِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ كُلَّ جُمُعَةٍ فِي جَامِعِ الْمَهْدِيِّ، وَتَجْتَمِعُ النَّاسُ لِسَمَاعِهَا مُدَّةَ خِلَافَتِهِ، وَكَانَ يُنْشِدُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ يَتَرَنَّمُ بِهَا وَهِيَ لِسَابِقٍ الْبَرْبَرِيِّ: سَبَقَ الْقَضَاءُ بِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنُ * وَاللَّهُ يَا هَذَا لِرِزْقِكَ ضَامِنُ تُعْنَى بما تكفي وتترك ما به * تعنى كأنك للحواث آمِنُ أَوَ مَا تَرَى الدُّنْيَا وَمَصْرَعَ أَهْلِهَا * فَاعْمَلْ لِيَوْمِ فِرَاقِهَا يَا خَائِنُ وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لَا أَبَا لَكَ فِي الَّذِي * أَصْبَحْتَ تَجْمَعُهُ لغير خَازِنُ يَا عَامِرَ الدُّنْيَا أَتَعْمُرُ مَنْزِلًا * لَمْ يبق فيه مع المنية ساكن الموت شئ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ * حُقٌّ وَأَنْتَ بِذِكْرِهِ مُتَهَاوِنُ إِنَّ الْمَنِيَّةَ لَا تُؤَامِرُ مَنْ أَتَتْ * فِي نفسه يومًا ولا تستأذن

(1) في الكامل 9 / 79 والعبر 3 / 436: كان السبب في خلعه: أن بهاء الدولة قلت عنده الاموال، فكثر شغب الجند فقبض على وزيره سابور فلم يغن عنه ذلك شيئًا وانظر أبي شجاع: ذيل تجارب الامم ص 201، وقال ابن دقماق في الجوهر الثمين 1 / 188 إن سبب خلعه أنه استوزر وزيرين استخفا بالشريعة ومالا إلى النجامة والقول بالطبيعة فقبض على ابن المعلم وهو من خواص بهاء الدولة.

(انظر دول الاسلام 1 / 232 تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 164) (*) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت