فهرس الكتاب

الصفحة 3718 من 5637

الرَّجُلَ إِنْ هَرَبَ فَلَيْسَ لَهُ مَلْجَأٌ إِلَّا مكة، فحولوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.

ثُمَّ أَرْسَلَ عِيسَى إِلَى مُحَمَّدٍ يدعوه إلى السمع والطاعة لأمير المؤمنين المنصور، وأنه قَدْ أَعْطَاهُ الْأَمَانَ لَهُ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ إِنْ هو أجابه.

فَقَالَ مُحَمَّدٌ لِلرَّسُولِ: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكَ.

ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى يَقُولُ لَهُ: إِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى كِتَابِ الله وسنة رسوله، فَاحْذَرْ أَنْ تَمْتَنِعَ فَأَقْتُلَكَ فَتَكُونَ شَرَّ قَتِيلٍ، أو تقتلني فتكون قتلت من دعاك إلى الله ورسوله.

ثُمَّ جَعَلَتِ الرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.

هذا يدعو هذا، وهذا يدعو هذا.

وجعل عيسى بن موسى يَقِفُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الثَّنِيَّةِ عِنْدَ سَلْعٍ فَيُنَادِي: يَا أهل المدينة أنَّ دماءكم علينا حرام فمن جاءنا فوقف تحت رايتنا فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَلَيْسَ لَنَا فِي قِتَالِكُمْ أَرَبٌ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ مُحَمَّدًا وَحْدَهُ لِنَذْهَبَ بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ.

فَجَعَلُوا يَسُبُّونَهُ وَيَنَالُونَ مِنْ أمه، ويكلمونه بكلام شنيع، ويخاطبونه مخاطبة فظيعة، وقالوا له: هَذَا ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معنا ونحن معه، نقاتل دُونَهُ.

فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ أَتَاهُمْ فِي خَيْلٍ وَرِجَالٍ وَسِلَاحٍ وَرِمَاحٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، فَنَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنِي أن لا أقاتلك حتى أدعوك إلى الطاعة، فَإِنْ فَعَلْتَ أَمَّنَكَ وَقَضَى دَيْنَكَ وَأَعْطَاكَ أَمْوَالًا وَأَرَاضِيَ، وَإِنْ أَبَيْتَ قَاتَلْتُكَ فَقَدْ دَعَوْتُكَ غَيْرَ مرة.

فناداه محمد: إن لَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي إِلَّا الْقِتَالُ.

فَنَشِبَتِ الْحَرْبُ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ جَيْشُ عِيسَى بْنِ مُوسَى فوق أربعة آلاف، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة، وعلى ميمنته محمد بن السفاح، وعلى ميسرته داود بن كرار، وَعَلَى السَّاقَةِ الْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ، وَمَعَهُمْ عُدَدٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا.

وَفَرَّقَ عِيسَى أَصْحَابَهُ فِي كُلِّ قُطْرٍ طَائِفَةً.

وَكَانَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى عدة أصحاب أَهْلِ بَدْرِ، وَاقْتَتَلَ الْفَرِيقَانِ قِتَالًا شَدِيدًا جِدًّا، وَتَرَجَّلَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْأَرْضِ فَيُقَالُ إِنَّهُ قَتَلَ بيده من جيش عيسى بن موسى سبعين رجلًا من أبطالهم، وَأَحَاطَ بِهِمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ فَقَتَلُوا طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، فاقتحموا عَلَيْهِمُ الْخَنْدَقَ الَّذِي كَانُوا حَفَرُوهُ وَعَمِلُوا أَبْوَابًا على قدره، وقيل إنهم ردموه بحدائج الجمال حتى أمكنهم أن يجوزوه، وقد يكونون فعلوا هذا مَوْضِعٍ مِنْهُ،

وَهَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَاللَّهُ أعلم.

ولم تزل الحرب ناشبة بينهم حَتَّى صُلِّيَتِ الْعَصْرُ.

فَلَمَّا صَلَّى مُحَمَّدٌ الْعَصْرَ نزلوا إِلَى مَسِيلِ الْوَادِي بِسَلْعٍ فَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ وَعَقَرَ فَرَسَهُ وَفَعَلَ أَصْحَابُهُ مِثْلَهُ وَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْقِتَالِ وَحَمِيَتِ الْحَرْبُ حِينَئِذٍ جِدًّا، فَاسْتَظْهَرَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَرَفَعُوا رَايَةً سَوْدَاءَ فَوْقَ سَلْعٍ، ثُمَّ دَنَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَخَلُوهَا وَنَصَبُوا رَايَةً سَوْدَاءَ فَوْقَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ تَنَادَوْا: أخذت الْمَدِينَةُ، وَهَرَبُوا وَبَقِيَ مُحَمَّدٌ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ جدًا ثم بقي وحده وليس معه أحد، وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ صَلْتٌ يَضْرِبُ بِهِ مَنْ تقدم إليه، فكان لا يقوم له شئ إلا أنامه، حتى قتل خلقًا من أهل العراق من الشجعان، وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ يَوْمَئِذٍ ذُو الْفَقَارِ ثُمَّ تَكَاثَرَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ تَحْتَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ الْيُمْنَى فسقط لِرُكْبَتَيْهِ وَجَعَلَ يَحْمِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت