فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 5637

وَالْأُخْرَى * وَلَمَّا أُعْطِيَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الْعَلِيَّةَ وَالْمَرْتَبَةَ السَّنِيَّةَ، وَسَمِعَ الْخِطَابَ، سَأَلَ رَفْعَ الْحِجَابِ، فَقَالَ لِلْعَظِيمِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ الْقَوِّيُّ الْبُرْهَانِ: (رَبِّي أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي) .

ثُمَّ

بَيَّنَ تَعَالَى إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ تَجَلِّيهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَنَّ الْجَبَلَ الَّذِي هُوَ أَقْوَى وَأَكْبَرُ ذَاتًا وَأَشَدُّ ثَبَاتًا مِنَ الْإِنْسَانِ، لَا يَثْبُتُ عِنْدَ التَّجَلِّي مِنَ الرحمان وَلِهَذَا قَالَ (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) .

وَفِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: يَا مُوسَى إِنَّهُ لَا يَرَانِي حَيٌّ إِلَّا مَاتَ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا تَدَهْدَهَ (1) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ (2) عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ"حِجَابُهُ النُّورُ."

وَفِي رِوَايَةٍ النَّارُ (3) لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ" (4) ."

وَقَالَ ابْنُ عبَّاس فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) ذَاكَ نُورُهُ الَّذِي هُوَ نُورُهُ إِذَا تَجَلَّى لشئ لا يقوم له شئ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) .

قَالَ مُجَاهِدٌ (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) فَإِنَّهُ أَكْبَرُ مِنْكَ وَأَشَدُّ خَلْقًا فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فَنَظَرَ إِلَى الْجَبَلِ لَا يَتَمَالَكُ وَأَقْبَلَ الْجَبَلُ فَدُكَّ عَلَى أَوَّلِهِ وَرَأَى مُوسَى مَا يَصْنَعُ الْجَبَلُ فَخَرَّ صَعِقَا * وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّفْسِيرِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وصحَّحه ابْنُ جَرِيرٍ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ.

زَادَ ابْنُ جَرِيرٍ وَلَيْثٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ للجبل جَعَلَهُ دَكًّا) قال هكذا بإصبعه ووضع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِبْهَامَ عَلَى الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى مِنَ الْخِنْصَرِ، فَسَاخَ الْجَبَلُ لَفْظُ ابْنِ جرير.

وقال السدي عن عكرمة وعن ابْنِ عَبَّاسٍ مَا تَجَلَّى يَعْنِي مِنَ الْعَظَمَةِ إِلَّا قَدْرُ الْخِنْصَرِ، فَجَعَلَ الْجَبَلَ دَكًّا قَالَ ترابًا (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) أَيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَقَالَ قَتَادَةُ مَيِّتًا.

وَالصَّحِيحُ الأول لقوله (فَلَمَّا أَفَاقَ) فَإِنَّ الْإِفَاقَةَ إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ غَشْيٍ قَالَ (سُبْحَانَكَ) تَنْزِيهٌ وَتَعْظِيمٌ وَإِجْلَالٌ أَنْ يَرَاهُ بِعَظَمَتِهِ أحد (تُبْتُ إِلَيْكَ) أَيْ فَلَسْتُ أَسْأَلُ بَعْدَ هَذَا الرُّؤْيَةَ (وَأَنَا أول المؤمنين) أَنَّهُ لَا يَرَاكَ حَيٌّ إِلَّا مَاتَ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا

(1) تَدَهْدَهَ: خسف به وتدحرج.

(2) أخرجه مسلم في صحيحه 1 / 79 / 293 ورواه أحمد في مسنده 4 / 401 - 405 وابن ماجة في سننه المقدمة 13 / 195.

(3) وهي رواية أبي بكر - انظر المرجع السابق.

(4) السبحات جمع سبحة.

قال صاحب العين والهروي معنى سبحات وجهه: نوره وجلاله وبهاؤه.

والحجاب: المنع والستر.

وحقيقة الحجاب إنما تكون للاجسام المحدودة، والله تعالى منزه عن الحد والجسم، والمراد هنا المانع من رؤيته، ولذلك سمي المانع نورا أو نارا لانهما يمنعان من الادراك في العادة لشعاعهما.

والوجه - هنا - الذات.

(5) البخاري في 44 كتاب الخصومات 1 باب ما يذكر في الاشخاص..ومسلم في 43 كتاب الفضائل (ح 163) ص 4 / 1845.

ورواه أحمد في مسنده من طريق أبي هريرة.

ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي في الدلائل ج 5 / 493.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت