فهرس الكتاب

الصفحة 2608 من 5637

عَنْ ظَهْرِهِ وَأَخْرَجَ مِنَ الدَّقِيقِ فِي الْقِدْرِ، وَأَلْقَى عَلَيْهِ مِنَ الشَّحْمِ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ تَحْتَ الْقِدْرِ وَالدُّخَّانُ يَتَخَلَّلُ لِحْيَتَهُ سَاعَةً، ثُمَّ أَنْزَلَهَا عن النار وقال: إيتيني بصحفة.

فأتي بها فغرفها ثم تركها بَيْنَ يَدَيِ الصِّبْيَانِ وَقَالَ: كُلُوا، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا - وَالْمَرْأَةُ تَدْعُو لَهُ وَهِيَ لَا تَعْرِفُهُ - فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُمْ حَتَّى نَامَ الصِّغَارُ، ثُمَّ أوصلهم بنفقة وانصرف، ثم أقبل على فَقَالَ: يَا أَسْلَمُ الْجُوعُ الَّذِي أَسْهَرَهُمْ وَأَبْكَاهُمْ.

وَقِيلَ: إِنَّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى عُمَرَ وَهُوَ يَعْدُو إِلَى ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: قَدْ نَدَّ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَنَا أَطْلُبُهُ.

فَقَالَ: قَدْ أَتْعَبْتَ الْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِكَ.

وَقِيلَ: إِنَّهُ رَأَى جَارِيَةً تَتَمَايَلُ مِنَ الْجُوعِ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَتِ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ: هَذِهِ ابْنَتِي.

قَالَ: فَمَا بَالُهَا؟ فَقَالَتْ: إِنَّكَ تَحْبِسُ عَنَّا مَا فِي يَدِكَ فَيُصِيبُنَا مَا تَرَى.

فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أُعْطِيكُمْ إِلَّا مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ، أَتُرِيدُونَ مِنِّي أَنْ أُعْطِيَكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ: فَأَعُودَ خائنًا؟.

روي ذلك عن الزهري.

وقال الواقدي: حدثنا أبو حمزة يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو قَالَ:

قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَنْ سمى عمر الفاروق أمير المؤمنين؟ قالت: النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"يَا أمير المؤمنين هو"وَأَوَّلُ مَنْ حَيَّاهُ بِهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ"وقيل غيره."

فالله أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ عَمْرٍو بِنْتُ حَسَّانَ الْكُوفِيَّةُ - وَكَانَ قَدْ أَتَى عَلَيْهَا مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً - عَنْ أَبِيهَا قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عمر قالوا: يا خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ.

فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا أَمْرٌ يَطُولُ، بَلْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَا أَمِيرُكُمْ.

فَسُمِّيَ أمير المؤمنين.

وملخص ذلك أن عمرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَنَزَلَ بِالْأَبْطَحِ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ كَبِرَتْ سِنُّهُ وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتُهُ، وَخَافَ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْبِضَهُ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ فِي بَلَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَمَوْتًا فِي بَلَدِ رَسُولِكَ، فاستجاب له الله هَذَا الدُّعَاءَ، وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ هَذَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الشَّهَادَةِ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَهَذَا عَزِيزٌ جِدًّا، ولكن الله لطيف بما يَشَاءُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَاتَّفَقَ لَهُ أَنْ ضَرَبَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ فَيْرُوزُ الْمَجُوسِيُّ الْأَصْلِ، الرُّومِيُّ الدَّارِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، صَلَاةَ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِخِنْجَرٍ ذَاتِ طَرَفَيْنِ، فَضَرَبَهُ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ، وَقِيلَ سِتَّ ضَرَبَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ تحت سرته قطعت السفاق فَخَرَّ مِنْ قَامَتِهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَرَجَعَ الْعِلْجُ بِخِنْجَرِهِ لَا يَمُرُّ بِأَحَدٍ إِلَّا ضَرَبَهُ، حَتَّى ضَرَبَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ (1) رَجُلًا مَاتَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ، فَأَلْقَى عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بن

(1) كذا في الاصل وابن سعد، وفي الاستيعاب اثنا عشر رجلًا، وقال ابن سعد: ثلاثة عشر رجلًا مات منهم تسعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت