لإبراهيم أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً * تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ * وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ مُخْتَصَرًا * وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فِي كَلِمَاتِ إِبْرَاهِيمَ الثَّلَاثِ الَّتِي قَالَ مَا مِنْهَا كَلِمَةٌ إِلَّا ما حل (1) بِهَا عَنْ دِينِ اللَّهِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ وقال بل فعله كبيرهم هذا وَقَالَ لِلْمَلِكِ حِينَ أَرَادَ امْرَأَتَهُ هِيَ أُخْتِي فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ هِيَ أُخْتِي أَيْ فِي دِينِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ لَهَا إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ يَعْنِي زَوْجَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ غَيْرِي وَغَيْرَكِ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا لِأَنَّ لُوطًا كَانَ مَعَهُمْ وَهُوَ نَبِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَوْلُهُ لَهَا لَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهِ مَهْيَمْ مَعْنَاهُ مَا الْخَبَرُ فَقَالَتْ إِنَّ اللَّهَ رَدَّ كيد الكافرين."
وَفِي رِوَايَةٍ الْفَاجِرِ وَهُوَ الْمَلِكُ وَأَخْدَمَ جَارِيَةً وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ وَقْتِ ذُهِبَ بها إلى الملك قام يصلي لله عزوجل وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ أَهْلِهِ وَأَنْ يَرُدَّ بَأْسَ هَذَا الَّذِي أَرَادَ أَهْلَهُ بِسُوءٍ وَهَكَذَا فعلت هي أيضًا فلما أَرَادَ عَدُوُّ اللَّهِ أَنْ يَنَالَ مِنْهَا أَمْرًا قامت إلى وضوئها وصلاتها ودعت الله عزوجل بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ وَلِهَذَا قَالَ تعالى (وَاسْتَعِينُوا بالصبر والصلوة) [البقرة: 45] فَعَصَمَهَا اللَّهُ وَصَانَهَا لِعِصْمَةِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَحَبِيبِهِ وَخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى نُبُوَّةِ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ سَارَةَ وَأُمِّ مُوسَى وَمَرْيَمَ عَلَيْهِنَّ السَّلَامُ * وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُنَّ صَدِّيقَاتٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وَأَرْضَاهُنَّ * ورأيت في بعض الآثار أن الله عزوجل كَشَفَ الْحِجَابَ فِيمَا بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَيْنَهَا فَلَمْ يَزَلْ يَرَاهَا مُنْذُ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى أَنْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ وَكَانَ مُشَاهِدًا لَهَا وَهِيَ عِنْدَ الْمَلِكِ وَكَيْفَ عَصَمَهَا اللَّهُ مِنْهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَطْيَبَ لِقَلْبِهِ وَأَقَرَّ لِعَيْنِهِ وَأَشَدَّ لِطُمَأْنِينَتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا لِدِينِهَا وَقَرَابَتِهَا مِنْهُ وَحُسْنِهَا الْبَاهِرِ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ تَكُنِ امْرَأَةٌ بَعْدَ حَوَّاءَ إِلَى زَمَانِهَا أَحْسَنَ مِنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا * وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ (2) .
وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التَّوَارِيخِ أَنَّ فِرْعَوْنَ مِصْرَ هَذَا كَانَ أَخًا لِلضَّحَّاكِ الْمَلِكِ الْمَشْهُورِ بِالظُّلْمِ وَكَانَ عَامِلًا لِأَخِيهِ عَلَى مِصْرَ (3) * وَيُقَالُ كَانَ اسْمُهُ سِنَانَ بْنَ عِلْوَانَ بن عبيد بن عويج (4) بن عملاق بن لاود بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ أَنَّ الَّذِي أَرَادَهَا عَمْرُو بْنُ امرئ القيس بن مايلون بْنِ سَبَأٍ وَكَانَ عَلَى مِصْرَ نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنَّ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجَعَ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ إِلَى أَرْضِ التَّيَمُّنِ وهي الأرض المقدسة التي
(1) ماحل: جادل ودافع.
(2) استغل اليهود هذه الحادثة للطعن على إبراهيم عليه السلام كما طعنوا على لوط وداود عليهما السلام.
(3) ذكره الكامل لابن الاثير: 1 / 101 والطبري في رواية 1 / 151.
(4) في الكامل لابن الاثير: عولج وفي الطبري فكالاصل.