ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتفعت الرنة عليه وسجته الملائكة دهش الناس كما روي عن غير واحد من الصحابة وطاشت عقولهم وافحموا واختلطوا فمنهم من خبل ومنهم من اصمت ومنهم من أقعد إلى الأرض فكان عمر رضي الله عنه ممن خبل فجعل يصيح ويقول أن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وإنه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات
وأما عثمان بن عفان رضي الله عنه فاخرس حتى جعل يذهب به ويجاء ولا يتكلم
واقعد علي رضي الله عنه فلم يستطع حراكا
وأضني عبد الله بن أنيس
وبلغ الخبر أبا بكر رضي الله عنه وهو بالسنح فجاء وعيناه تهملان وزفراته تتردد في صدره وغصصه ترتفع كقطع الحرة وهو في ذلك رضوان الله عليه جلد العقل والمقالة حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكب عليه وكشف عن وجهه ومسحه وقبل جبينه وجعل يبكي ويقول بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا ولنقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء وخصصت حتى صرت مسلاة وعممت حتى صرنا فيك سواء ولولا أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس ولولا انك نهيت عن البكاء لانفذنا عليك ماء الشون فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وأدناف يتخالفان لا يبرحان اللهم فأبلغه عنا اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا
ثم خرج إلى الناس وهم في عظيم غمراتهم وشديد سكراتهم فقام فيهم بخطبة جلها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيها