كذلك في المنكر لا يجوز أن تنكر على شخص إلا إذا علمت أنه وقع في المنكر، فإذا رأيت امرأة مع شخص في سيارة مثلًا، فإنه لا يجوز أن تتكلم عليه أو علي المرأة؛ لأنه ربما تكون هذه المرأة من محارمه؛ زوجة، أو أم، أو أخت، أو ما أشبه ذلك، حتى تعلم أنه قد أركب معه امرأة ليست من محارمه، أو وجدت شبهة قوية، وأمثال هذا كثيرٌ. المهم أنه لابُد من علم الإنسان بأن هذا معروف ليأمر به، أو منكر لينهى عنه، ولا بد أن يعلم أيضًا أن الذي وجّه إليه الأمر أو النهي قد وقع في أمر يحتاج إلى أمر فيه أو نهي عنه.
ثم أن الذي ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون رفيقًا بأمره في نهيه؛ لأنه إذا كان رفيقًا أعطاه الله سبحانه وتعالى ما لا يعطي على العنف، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:"إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" [279] فأنت إذا عنَّفت على من تنصح ربما ينفر، وتأخذه العزة بالإثم، ولا ينقاد لك، ولكن إذا جئته بالتي هي أحسن فإنه ينتفع.
ويُذكر - قديمًا - أن رجلًا من أهل الحسبة- يعني من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر- مرّ على شخص يستخرج الماء من البئر على إبله عند أذان المغرب، وكان من عادة هؤلاء العمال أن يحدوا بالإبل، يعني يُنشدون شعرًا من أجل أن تخف الإبل؛ لأن الإبل تطرب لنشيد الشعر، فجاء هذا الرجل ومعه غيره، وتكلم بكلام قبيح على العامل الذي كان متعبًا من العمل وضاقت عليه نفسه فضرب الرجل بعصا طويلة متينة كانت معه- فشرد الرجل وذهب إلى المسجد والتقى بالشيخ- عالم من العلماء من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله- وقال: إني فعلت كذا وكذا، وإن الرجل ضربني بالعصا، فلما كان من اليوم الثاني ذهب الشيخ بنفسه إلى المكان قبل غروب الشمس، وتوضأ ووضع مشلحه على خشبه حول البئر، ثم أذن المغرب فوقف كأنه يريد أن يأخذ المشلح، فقال له: يا فلان ... يا أخي جزاك الله خيرًا، أنت تطلب الخير في العمل هذا، وأنت على خير، لكن الآن أذن للمغرب، لو أنك تذهب وتصلي المغرب وترجع ما فاتك شيء، وقال له كلامًا هينًا، فقال له: جزاك الله خيرًا، مرّ علىّ أمس رجل جلف قام ينتهرني، وقال لي كلامًا سيئًا أغضبني، وما ملكت نفسي حتى ضربته بالعصا، قال: الأمر لا يحتاج إلى ضرب، أنت عاقل، ثم تكلم معه بكلام لين، فأسند العصا التي يضرب بها الإبل ثم ذهب يصلي بانقياد ورضا.
وكان هذا لأن الأول عامله بالعنف، والثاني عامله بالرفق، ونحن وإن لم تحصل هذه القضية فلدينا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول:"إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" (1) ويقول صلى الله عليه وسلم:"ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما ينزع من شيء إلا شانه" (279) فعلى الآمر أن يحرص على أن يكون أمره ونهيه رفيقًا.
الشرط الثالث: أن لا يزول المنكر إلى ما هو أعظم منه، فإن كان هذا المنكر لو نهينا عنه، زال إلى ما هو أعظم منه، فإنه لا يجوز أن ننهى عنه، درءًا لكبرى المفسدتين بصغريهما؛ لأنه إذا تعارض عندنا مفسدتان وكان إحداهما أكبر من الأخرى؛ فإننا نتقي الكبرى بالصغرى.
مثال ذلك: لو أن رجلًا يشرب الدخان أمامك فأردت أن تنهاه وتقيمه من المجلس، ولكنك تعرف أنك لو فعلت لذهب يجلس مع السكارى، ومعلوم أن شرب الخمر أعظم من شرب الدخان، فهنا لا ننهاه؛ بل نعالجه بالتي هي أحسن لئلا يؤول الأمر إلى ما هو أنكر وأعظم.
ويُذكر أن شيخ الإسلام ابن تيميه- رحمه الله عليه- مرّ بقوم في الشام من التتار ووجدهم يشربون الخمر، وكان معه صاحب له، فمرّ بهم شيخ الإسلام ولم ينههم، فقال له صاحبه: لماذا لم تنهمم؟ قال: لو نهيناهم لذهبوا يهتكون أعراض المسلمين وينهبون أموالهم، وهذا أعظم هذا شربهم الخمر، فتركهم مخافة أن يفعلوا ما هو أنكر وأعظم، وهذا لا شك أنه من فقهه رحمه الله.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)