ابن تيمية"إن هذا إن صح عنه فهو من زلات العلماء"، مجموع الفتاوى (182/ 25) ، وأما ابن قتيبة رحمه الله فقال ابن عبد البر متعقبًا له"وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا"فتح الباري (157/ 4) .
وما ذكر عن الشيخ أحمد شاكر من القول بالحساب في إثبات دخول الشهر في رسالته"أوائل الشهور العربية هل يجوز شرعًا إثباتها بالحساب الفلكي"، فقد تراجع عن القول وأشار إلى أن ما ذكر في رسالته كان بحثًا لا تقريرًا وانتهى إلى القول بالاكتفاء بالرؤية الشرعية واطراح الحساب الفلكي وذلك للنصوص الشرعية الصحيحة الصريحة بذلك (مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الثالث لعام 1408هـ) . وأما غيرهم فقوله مضطرب ولم يأت بجديد يستحق أن يناقش وبعض الأقوال أجيب عنها فيما سبق.
الوقفة السابعة والعشرون: يزعم البعض أن في العمل بالحساب الفلكي توحيدًا للمسلمين في صيامهم وعيدهم وكلمتهم وهذا ليس بصحيح وذلك من عدة وجوه:
الأول: أن دخول الشهر وخروجه له ارتباط باختلاف المطالع في البلدان والأقاليم.
الثاني: أن توحيد المسلمين يكون باجتماعهم على الحق في أمور الأصول كنبذ الشرك أو تعظيم القبور ووجوب الحكم بما أنزل الله والسير على العقيدة الصحيحة، أما الاختلاف في دخول الشهر وخروجه فهو من الأمور الفرعية.
الثالث: أن الحساب الفلكي هو إلى الفرقة أقرب لأننا نرى أن دولًا تصوم ودولًا لا تصوم والفارق بينهما في الصوم والفطر ثلاثة أيام وسبب ذلك تعاملهم بالحساب الفلكي.
الوقفة الثامنة والعشرون: قوله صلى الله عليه وسلم"فاقدروا له"هذه رواية واحدة مجملة استدل بها البعض على الأخذ بالحساب الفلكي وهذه الرواية تفسرها 14 رواية وليس من الفقه في شيء بتر هذه الرواية عن الروايات الواردة في نفس الحديث لا سيما الرواية الصحيحة الصريحة عند البيهقي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"إن الله جعل الأهلة مواقيت فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له، أتموه ثلاثين".
الوقفة التاسعة والعشرون: القول بعدم الأخذ بالحساب الفلكي والاقتصار على الرؤية في إثبات دخول الشهر وخروجه امتثالًا للشرع، لا يعني اطراح علم الفلك بجملته بل هو علم من العلوم التي ظهر نفعها للعباد في زروعهم وأسفارهم وفصولهم واتجاهاتهم والكثير من شؤونهم ومصالحهم.
الوقفة الثلاثون: تمحيص شهادة الشهود والتثبت منها مرده إلى القاضي وليس لأرباب الفلك ويندرج تحت تمحيص الشهادة التثبت مما شهدوا به حسًا.
الوقفة الحادية والثلاثون: الشهر القمري على حسابات الفلكيين يقصر حيث يصل إلى 29 يومًا و6ساعات و35 دقيقة، ويطول حيث يصل إلى 29يومًا و19 ساعة و55 دقيقة، وهو خلاف ما جاء في الحديث الصحيح من كون الشهر إما 29 يومًا أو 30 يومًا، ومحاولة الجبر لحساب الشهر لكي يصبح 29 يومًا أو 30 يومًا ليس لها معادلة ثابتة لأن ولادة الهلال التي يعولون عليها تحدث في أوقات مختلفة من كل شهر وتصبح طريقة جبر كسر الشهر عند أهل الحساب الفلكي متكلّفة ومعتمدة على العقول المتفاوتة في تقديراتها وخرجت أحيانًا بأربابها عن المعقول والمنقول.
الوقفة الثانية والثلاثون: الهلال الشرعي هو الذي تتحقق فيه الرؤية البصرية الواردة في النصوص الشرعية ويهل الناس (الشاهد العدل) برؤيته، وليس متعلقًا بالاقتران، أو الولادة الفلكية، أو كونه يرى في اليوم الثاني، أو طول مدة مكثه في الأفق أو قصرها، أو أنه ليس هلالًا انعكاسيًا مقلوبًا، أو أنه إذا رؤي في صباح اليوم قبل الشمس فلا يعيب بعدها، أو أنه إذا رؤي في بلدة غربية فإنه موجود في بلدة شرقية، أو أنه إذا استحالت رؤيته في بلدة شرقية تستحيل رؤيته في بلدة عربية أو أنه يختلف مع حسابات الخسوف والكسوف، حيث يمكن أن يرى الهلال الشرعي بلا اقتران وبلا ولادة، ويمكن ألا يرى في اليوم الثاني، ويمكن أن يكون كبير الحجم في اليوم الأول، ويمكن أن يرى في الصباح قبل الشمس ثم يغيب بعدها في المساء، ويمكن أن يرى في بلدة شرقية ولا يرى في بلدة غربية عنها، ويمكن أن يرى في بلدة عربية ولا يرى في بلدة شرقية عنها ومن نفى ذلك وألزم الناس بهذه الافتراضات فهو مطالب بالدليل الشرعي على اعتبارها.
الوقفة الثالثة والثلاثون: التسليم والانقياد للشرع أمر متحتم وليس للمؤمن خيرة بعد ذلك، والفتنة في الدنيا والعذاب في الآخرة والعياذ بالله كثيرًا ما تصيب الذين يخالفون عن أمره وترك السنة لقول أحد إنما هو مشاقة للرسول صلى الله عليه وسلم واتباع لغير سبيل المؤمنين كيف وقد تبين الهدى من سنته القولية والعملية في هذا الموضوع، قال تعالى"وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" (الأنعام 153) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)