ـ [حارث همام] ــــــــ [05 - 10 - 08, 07:30 م] ـ
وكلام السبكي هذا يتكئ عليه كثيرون وبعضهم أخذ من بعض ..
قال عند قول السبكي:"ولا شك أن بعض من يشهد بالهلال قد لا يراه ويشتبه عليه، أو يرى ما يظنه هلالًا وليس بهلال، أو تريه عينه ما لم ير، أو يؤدي الشهادة بعد أيام ويحصل الغلط في الليلة التي رأى فيها، أو يكون جهله عظيمًا يحمله على أن يعتقد في حمله الناس على الصيام أجرًا، أو يكون ممن يقصد إثبات عدالته فيتخذ ذلك وسيلة إلى أن يزكى ويصير مقبولًا عند الحكام، وكل هذه الأنواع قد رأيناها وسمعناها، فيجب على الحاكم إذا جرب مثل ذلك، وعرف من نفسه أو بخبر من يثق به أن دلالة الحساب على عدم إمكان الرؤية أن لا يقبل هذه الشهادة، ولا يثبت بها ولا يحكم بها، ويستصحب الأصل في بقاء الشهر ..."إلخ.
وقال السبكي قبيل هذا في نفس السياق:"وههنا صورة أخرى، وهو أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤيته، ويدرك ذلك بمقدمات قطعية، ويكون في غاية القرب من الشمس، ففي هذه الحالة لا يمكن فرض رؤيتنا له حسًا لأنه يستحيل، فلو أخبرنا به مخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط، فالذي يتجه عدم قبول هذا الخبر وحمله على الكذب أو الغلط، ولو شهد به شاهدان لم تقبل شهادتهما، لأن الحساب قطعي، والشهادة والخبر ظنيان، والظن لا يعارض القطع فضلًا عن أن يقدم عليه، والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنًا حسًا وعقلًا وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعًا على عدم الإمكان، استحال القبول شرعًا لاستحالة المشهود به والشرع لا يأتي بالمستحيلات".
علق الشيخ البراك بعد أن أكد أن البينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنًا حسًا وعقلًا وشرعًا قائلًا ما يلي نصه:
"هذه غفلة من السبكي -رحمه الله- ومن عجائب بعض العلماء والأذكياء، أن يقبل خبر واحد يثق به ويرد به خبر عدد من الثقات العدول! فالحاسب يجوز عليه الكذب في خبره، والخطأ في حسابه، فلا يفيد خبره إلاّ ظنًا، وكل ما أورده السبكي على شهادة الشهود يرد نحوه على خبر الحاسب بل وروده عليه أقوى. والسبكي في هذا التقرير جعل خبر الحاسب مفيدًا للقطع، فيوجب رد شهادة من شهد بالرؤية لأنها ظنية، فلا يعارض بها القطعي، وهذا سر الغفلة في هذا التقرير، بل إذا اعتبرنا خبر الحاسب الثقة بينة، وخبر الشاهد العدل بالرؤية هو بينة شرعية، فإذا تعارضتا فقد تتكافآن من حيث مقومات قبول الخبر كأن يكونا ثقتين عدلين، وقد تترجح إحداهما على الأخرى، وبكل حال يجب ترجيح الشهادة بالرؤية من العدل لدلالة الشرع على اعتبارها، كما قال صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) الحديث .."انتهى تعليق الشيخ البراك.
قلت: والمتأمل لحال الحسابين واختلافهم على مر الأعوام الماضية التي أثيرت فيها قضيت الحساب يجدهم في أمر مريج، حتى أني لا أكاد أذكر عامًا اجتمع فيه القائلون بالحساب على يوم، وتأمل تجد الجماهيرية الليبية التي تعتمد الحساب يختلف صومها عن بكستان والهند وجميعهم يزعم العمل بالحساب، وقد تجد هؤلاء جميعًا يخالفون تقويم أم القرى المطبوع وفقًا للحساب، كما في العام السابق، بل تأمل هذا العام تجد بعضهم قضى باستحالة رؤية هلال شوال وفقًا للحساب إلاّ بعد الثلاثين، وفي نفس الوقت تجد الجماهرية الليبية التي أمسكت قبل الناس بالحساب تعتبر التاسع والعشرين الذي يقضي هؤلاء باستحالة رؤية الهلال بعده المتمم للثلاثين! ولا غرو فمعادلاتهم لا تخلو من احتمال خطأ، وتطبيقها لا يخلو من احتمال خطأ آخر، كما أن تعريفاتهم لميلاد الهلال قد تتباين ... وإن قدر عدم ذلك فالشارع إنما أناط الحكم بالرؤية رؤية الهلال ولم ينطها بوجوده ولهذا قال: نحن أمة أمية لا نحسب، وقال: فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان. فمن زعم أن الهلال يستحيل أن يرى فعليه أن يراجع نفسه إن رآه العدول بأبصارهم، فإن أبى فعليه أن يقيم البينة والدليل البرهاني على صحة دعواه، فإن سلم له به كل الحاسبين، فلا يلزم الناس اتباعهم إذ لم يكلفوا به وإنما كلفوا بالرؤية واتباع العدول فيها.
وفي نحو هذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله:"والعلم بوقت الكسوف والخسوف وإن كان ممكنا, لكن هذا المخبر المعين قد يكون عالما بذلك, وقد لا يكون, وقد يكون ثقة في خبره, وقد لا يكون. وخبر المجهول الذي لا يوثق بعلمه وصدقه ولا يعرف كذبه موقوف, ولو أخبر مخبر بوقت الصلاة وهو مجهول لم يقبل خبره, ولكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون. ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعي, فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك, وإذا جوز الإنسان صدق المخبر بذلك أو غلب على ظنه, فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك, واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك, كان هذا حثا من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته".
فقرر إماكن خطأ الحاسب وإمكان كذبه، ثم قرر عدم الاحتجاج بحسابهم إن هم تواطؤوا ولكنه يعتبر به فيستعد ويتهيء للرؤية ...
وإني لأعجب من أقوام من أهل الفقه والفضل كيف يقدمون على العلم المستفاد بالحس والذي هو ضروري عند الفقهاء، علمًا مستفادًا بنظر لا يحسنه كل أحد، ثم يزعمون هذا قطعيًا وذلك ظنيًا! إن بين هؤلاء وبين المتأولة الأُول الذين أفسدو النصوص وحرفوا معانيها بما يخالونه قطعيات بعض الشبه، فكلهم مخالف لإجماع السلف الذي نقله غير واحد، وكلهم عادل عن مقتضى النص إلى ما يخاله عقليًا قطعيًا، نسأل الله أن يهدي قلوبنا هداية توفيق إلى ما منّ به من هداية الإرشاد على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. آمين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)