ـ [أبو فهر السلفي] ــــــــ [05 - 08 - 08, 06:55 م] ـ
أما اللسان الأول فهو ما عبر به الله ورسوله عن المعاني الدينية ..
وأما: لا مشاحة في الاصطلاح فكلام للناس جميعًا أن يقولوا به في كل شئ وأي شئ =شريطة ألا يقولوا به فيما يُعدل به من الألفاظ والاصطلاحات عن ألفاظ الله ورسوله ..
بل ما عبر به الله ورسوله عن معاني الدين لا يجوز العدول عنه إلى ألفاظ غيرهم تحت دعوى: لا مشاحة في الاصطلاح .. ولا يجوز نقل هذا اللفظ بعينه إلى معنى غير الذي قصده الله ورسوله .. فالأول من التلبيس والثاني من التحريف ..
ولا يكون اللفظ المحدث أبدًا مطابقًا للفظ الله ورسوله بل لا يكون إلا أنقص ..
ونظير هذا الباب: أن يزعم الرجل لفظًا لمعنى كان موجودًاَ زمن الوحي وله لفظه ثم يجعل الإيمان بهذا اللفظ واجبًا والقول به لازمًا .. وإنما الذي يلزم الناس هو الإيمان بالمعنى الحق،المتضمن للفظ الله ورسوله فمن آمن بلفظ الله ورسوله من غير تمام معناه فليس مؤمنًا بلفظ الله ورسوله، وهذا يكفي فلا يُحتاج إلى لفظ محدث يجب الإيمان به .. إلا إن اشتبهت الأمور اشتباهًا عظيمًا وأدى إلى الفساد والتباس الحق بالباطل .. واحتاج المجتهد والقاضي إلى هذا .. ويُقدر هذا بقدره
وأصل دعوى: لا مشاحة في الاصطلاح إنما كانت من المعتزلة والأشاعرة .. ومبتغي الحق والصدق لا مناص له من أن يرتاب مما كانت هذه سبيله ..
قال أبو بكر الجصاص المعتزلي في (( أصوله ) ): فمعنى العام والمجمل لا يختلفان في هذا الوجه فجائز أن يعبر عن المجمل بالعام , وقد ذكر أبو موسى عيسى بن أبان - رحمه الله - العام في مواضع فسماه مجملًا , وهذا كلام العبارة لا يقع في مثله مضايقة . ا هـ , وقال وهو يحتج لقولهم في الاستحسان: وليست الأسماء محظورة على احد عند الحاجة إلى الإفهام , بل لا يستغني أهل كل علمٍ وصناعةٍ إذا اختصوا بمعرفة دقيق ذلك العلم ولطيفه وغامضه دون غيرهم , و أرادوا الإبانة عنها , وإفهام السامعين لها أن يشتقوا لها أسماء , ويطلقوها عليها على وجه الإفادة والإفهام , كما وضع النحويون أسماء لمعان عرفوها , و أرادوا إفهامها غيرهم , فقالوا: الحال , والظرف , والتمييز ونحو ذلك , وكما قالوا في العروض: البسيط , والمديد , والكامل و والوافر , وكما أطلق المتكلمون اسم العرض, والجوهر , ونحو ذلك من المعاني التي عرفوها , وأرادوا العبارة عنها , فلم يكن محصورًا عليهم , إذ كان الغرض فيه الإبانة والإفهام للمعنى بأقرب السماء مشاكلة وأوضحها دلاله عليه , ثم لا يخلو لغائب الاستحسان من أن ينازعنا في اللفظ أو في المعنى , فإذا نازعنا في اللفظ و فاللفظ مسلم به , فليعبر هو بما شاء , على أن ليس للمنازعة في اللفظ وجه , لأن لكل واحد أن يعبر عما عقله الإنسان عن المعنى بالعربية تارة وبالفارسية أخرى , فلا ننكره , وقد يطلق الفقهاء لفظ الاستحسان في كثير من الأشياء . ا هـ
قلت: والكلام في الدين ليس كالكلام في النحو والعروض وغيرها , فقياس كلام الفقهاء على كلام النحويين والعروضيين وغيرهم قياس باطل , وليس للفقهاء أن يحدثوا في الدين ما لم يكن منه , ولا أن يسموا شيئًا غير ما سماه الله ورسوله , والنحاة والعروضيون وغيرهم نقلوا كثيرًا من ألفاظ العرب إلى غير ما كانت تدل عليه , فاختلفت ألسنتهم عن لسان العرب الذي نزل القرآن به , وما تدل عليه الألفاظ في كتاب الله تعالى , وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم هو ما كانت تدل عليه بلسان العرب , وليس ما صارت تدل عليه بألسنة النحاة والعروضيين وغيرهم , ولو فسر أحد لفظًا من كتاب الله أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل عليه عند النحاة أو غيرهم لكان مخطئًا , فإنما أنزل الله كتابه , وبعث نبيه صلى الله عليه وسلم بلسان العرب , وليس بألسنة النحاة والعروضيين وغيرهم , وقوله: ثم لا يخلو لعائب الاستحسان من أن ينازعنا في اللفظ أو في المعنى فإذا نازعنا في اللفظ , فاللفظ مسلم له , فليعبر هو بما شاء , على أنه ليس للمنازعة في اللفظ وجه , لأن لكل واحدٍ أن يعبر عما عقله من المعنى بما شاء من الألفاظ. ا هـ كل ذلك
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)