بِهِ هَذَا، فَإِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ قَبْلَ الْفِعْلِ لَيْسَ مَعَهُمُ الْقُدْرَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْفِعْلِ، فَلَا يُخْتَصُّ بِذَلِكَ الْعُصَاةُ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ سَمَاعَ الْحَقِّ كَرَاهَةً شَدِيدَةً لَا تَسْتَطِيعُ أَنْفُسُهُمْ [مَعَهَا] سَمَاعَهُ [1] . لِبُغْضِهِمْ لِذَلِكَ [2] لَا لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، كَمَا أَنَّ الْحَاسِدَ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِحْسَانَ إِلَى الْمَحْسُودِ لِبُغْضِهِ لَا لِعَجْزِهِ عَنْهُ [3] .
وَعَدَمُ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةِ لَا يَمْنَعُ [4] الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْإِنْسَانَ بِمَا يَكْرَهُهُ، وَيَنْهَاهُ عَمَّا يُحِبُّهُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 216] ، وَقَالَ: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [سُورَةُ النَّازِعَاتِ: 40] ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَهُ [5] ، وَعَلَى تَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَنْ يَكُونَ [6] الْعَبْدُ مُرِيدًا لَهُ، وَلَا مِنْ شَرْطِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ كَارِهًا لَهُ، فَإِنَّ الْفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ [7] ، وَالْمَشْرُوطُ فِي التَّكْلِيفِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ لَا أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لَهُ، لَكِنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُرِيدًا لَهُ، فَالْإِرَادَةُ [8] شَرْطٌ فِي وُجُودِهِ لَا فِي وُجُوبِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: [9] أَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ إِذَا فُسِّرَ بِأَنَّهُ الْفِعْلُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ
(1) أ، ب لَا تَسْتَطِيعُ أَنْفُسَهُمْ سَمْعَهُ ; ن: لَا تَسْتَطِيعُ أَنْفُسُهُمْ لِسَمَاعِهَا ; م: لَا تَسْتَطِيعُ أَنْفُسُهُمْ مَعَهُمْ سَمَاعًا
(2) ن، ع: ذَلِكَ.
(3) أ، ب: لَا يَعْجَزُ عَنْهُ.
(4) أ، ب، ن، ع: لَا تَمْنَعُ. وَالْكَلِمَةُ غَيْرُ مَنْقُوطَةٍ فِي (م) .
(5) أ، ب: إِذَا أَرَادَ.
(6) ن، م: وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَأْمُورِ أَنَّهُ يَكُونُ.
(7) ع: عَلَى الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ.
(8) أ، ب: مُرِيدًا لَهُ وَالْإِرَادَةُ ; ع: مُرِيدًا فَالْإِرَادَةُ.
(9) ن، م: الرَّابِعُ، وَهُوَ خَطَأٌ.