فَاسْتَخْلَفَ هَارُونَ عَلَى جَمِيعِ قَوْمِهِ. وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ذَهَبَ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ أَخَذَ مَعَهُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا الْمَعْذُورَ [1] ، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ عَلِيًّا إِلَّا عَلَى الْعِيَالِ وَقَلِيلٍ مِنَ الرِّجَالِ [2] ، فَلَمْ يَكُنِ اسْتِخْلَافُهُ كَاسْتِخْلَافِ مُوسَى لِهَارُونَ، بَلِ ائْتَمَنَهُ فِي حَالِ مَغِيبِهِ، كَمَا ائْتَمَنَ مُوسَى هَارُونَ [3] فِي حَالِ مَغِيبِهِ، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لَيْسَ لِنَقْصِ مَرْتَبَةِ الْمُسْتَخْلَفِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لِأَمَانَتِهِ كَمَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ عَلَى قَوْمِهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ خَرَجَ إِلَيْهِ يَبْكِي وَقَالَ أَتَذَرُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنْ بَعْضَ الْمُنَافِقِينَ طَعَنَ فِيهِ، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ لَيْسَتْ لِنَقْصِ الْمُسْتَخْلَفِ ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ [4] .
وَأَمَّا قَوْلُهُ:"أَنَّهُ قَالَ [لَهُ] [5] : «إِنِ الْمَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِي أَوْ بِكَ» "فَهَذَا كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُعْرَفُ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ [6] الْمُعْتَمَدَةِ [7] . وَمِمَّا يُبَيِّنُ كَذِبَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مِنَ
(1) ص، ر: إِلَّا الْمُعْدَمَ الْمَعْذُورَ ; هـ: إِلَّا الْمُعْذَرَ الْمَعْذُورَ.
(2) أ، ب: وَالْقَلِيلِ مِنَ النَّاسِ.
(3) هَارُونَ: كَذَا فِي (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لِهَارُونَ.
(4) أ: لَمَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لَمَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى لِهَارُونَ، وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ب) .
(5) لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (أ) ، (ب) ، (هـ) .
(6) أ، ب: فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ
(7) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ"الْمَوْضُوعَاتِ"1/357 عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ:"قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَلَا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَلَا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، فَهُوَ بَاطِلٌ، مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ، وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ كَانَ كَذَّابًا. وَقَالَ الْعَقِيلِيُّ: حَفَصٌ يُحَدِّثُ عَنِ الْأَئِمَّةِ بِالْبَوَاطِيلِ". وَقَالَ عَنْهُ السُّيُوطِيُّ فِي"الَّلَآلِي الْمَصْنُوعَةِ"1/342:"قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: بَاطِلٌ، حَفْصٌ كَذَّابٌ يُحَدِّثُ عَنِ الْأَئِمَّةِ بِالْبَوَاطِيلِ". وَانْظُرْ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ: الْفَوَائِدَ الْمَجْمُوعَةَ لِلشَّوْكَانِيِّ، ص 356 - 359 ; تَنْزِيهَ الشَّرِيعَةِ 1/382.