فهرس الكتاب

الصفحة 795 من 809

إذًا الحكم الأصلي ما هو؟ وجوب الهجرة، وأما قول بعض المتأخرين ممن انتسب إلى الدعوة الوهابية بأن الهجرة ركن الإيمان فباطل، ما قال به أحد من الأئمة، هذه نقطة مهمة. من قال بأن الهجرة ركن الإيمان، يعني بأنه لا يُعد الرجل مسلمًا إن لم يهاجر هذا باطل ولم يقل به أحد، أما أنها واجبة؛ فنعم.

الشارع وضع هذا الحكم ثم رأيناه بعد ذلك يقرّر أحكامًا لمن لم يهاجر، من أين جئنا بها؟ انظر بعد أن انتهى السياق في هذا القول، جاء قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وضع أحكام الرجل الذي يُقتل في داخل الجماعة المؤمنة إن كان من عدو أو كان من المعاهدين إلى آخره. انتهت هذه الأحكام، هي كلها لها علاقة بباب المهاجر وغير المهاجر. ثم جاء الشارع ليذكر لنا أمورًا تتعلق بأحكام غير المهاجر وهو مؤمن، في قوله تعالى بعد ذلك: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} لما قال تبينوا؟ قال تبينوا لأنهم في واقع جهادهم وخروجهم من ديارهم لقتال غيرهم هناك مؤمنون، فوضع لهم أحكامهم التي يجب أن تُراعى.

نحن قلنا القاعدة الأولى: إذا وضع الشارع أحكامًا لشيء دلَّ على جوازه، هنا لما وضع الشارع لهم أحكامًا على ماذا دلَّ؟ مع أنه أمرهم بالهجرة، لكن لما لم يقوموا بها؛ الشارع لم يلغِ أحكامهم، لم يقل إذا لم تهاجروا إذًا لا قيمة لكم، بل وضع لهم أحكامًا، وإذا وضع لهم أحكامًا فدلَّ على اعتبار إيمانهم {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ} السلام هنا أي كلمة الإسلام {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} . وهكذا، فالقصد بأنه إذا وضع الشارع حكمًا ثم استثنى هذا الحكم دلَّ هذا الاستثناء إما على الجواز أو على ترك الأولى، ولكن يبقى هذا الحكم معتبرًا.

يا شيخ الله قال: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} ؟

الشيخ: هذه في سورة الأنفال، هذه في قضية الولاية السياسية، وسماهم مؤمنين {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} فترك ولايتهم السياسية، {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} قال في الدين انتبه، {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} أي في غزو أو في قتال أو في جهاد في الدين، {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ} لكن لو استنصروكم من أجل رد الصائل هذه مسألة أخرى، ولكن هو قال: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} يعني أرادوا قتالًا هم في سبيل الله، وهذا الذي وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أبي بصير. قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما سُئل عن ملوك أهل الإسلام لو أن ملكًا من ملوك الإسلام التزم بعقد مع الكفار، فهل هذا العقد يلزم لبقية المسلمين؟ قال: لا، هم أحرار، قال: والدليل حديث أبي بصير وأبي جندل، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت