فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 809

بسم الله الرحمن الرحيم

تفريغ

الدرس الخامس والعشرون

من شرح الشيخ/ عمر محمود أبو قتادة

لكتاب (الموافقات) للإمام الشاطبي -رحمه الله-

مُؤسَّسَة التَّحَايَا

قِسْمُ التَّفْرِيغِ وَالنَّشْرِ

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه والصلاة والسلام على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

هذا هو الدرس الخامس والعشرون من دروس شرح كتاب (الموافقات) للإمام/ أبي إسحاق الشاطبي، وما زلنا مع تفصيل الشيخ -رحمه الله- في التفريق بين ما هو من صلب العلم وما هو من مُلحه. وتقدم كلام الشيخ -رحمه الله- عن شروط ما يمكن إدخاله في صلب العلم وأن له خواصًّا ثلاثة:

-الأولى: العموم والاطراد.

-الثانية: الثبوت من غير زوال. وتكلمنا عن هاتين الخصلتين بما يكفي، ثم جاء -رحمه الله- إلى:

-الخصلة الثالثة التي لم نقف عليها كثيرًا وهي قوله:"كون العلم حاكمًا لا محكومًا عليه"، بمعنى كونه مفيدًا لعمل يترتب عليه مما يليق به.

هذه الكلمة تحتاج إلى شيء من التفصيل: هناك علوم أصلية وهناك علوم تابعة لها كما في كل شيء، وقد يستقل التابع بحيث يكون أصليًا؛ فإذا ذُكر الأصلي علمنا أن الذي وراءه من الفرع هو تابع له، لكن قد يكون هذا التابع إذا استقل أصليًا، والذي أراده الشيخ أن هناك من العلوم ما هي حاكمة على غيرها، ومثال ذلك: الكتاب والسنة، فإن الكتاب حاكم على السنة، والسنة بالنسبة إلى الكتاب فرع له، لكن السنة أصلٌ إذا استقلت، بل هي أصل مع تفسير الكتاب على الذي تقدم ذكره فيما شرحناه من علاقة الكتاب والسنة وما يقوله الناس في مرتبتهما: هل هما معًا أم أن السنة لاحقة وتابعة له.

مثال ذلك: القياس مع الكتاب والسنة، فالكتاب والسنة حاكمتان على كل شيء وعلى كل عمل، وإذا جاء القياس؛ فالقياس بالنسبة إلى الكتاب والسنة فرع، ولكنه إذا استقل صار أصلًا.

وهذا التمهيد الذي ذكره الشيخ هنا يفصله فيما يأتي بأن هناك نوع من الأدلة لا تستقل بذاتها، ولكن يُستأنس بها عند عدم معرفة الفقيه للأصل، فيلتجئ إليها ومثال ذلك:"الإلهام"محكوم بالكتاب والسنة، فهو حسب قاعدته من مُلح العلم،"الرؤية"محكومة بالكتاب والسنة، ولكن العالم يضطر إليها حين لا يجد مراده، وهناك قاعدة بديهية من قواعد العلم وقواعد العقل: عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود، عدم المعرفة لا يدل على عدم الوجود.

إذًا؛ صلب العلم ما كان حاكمًا غير محكوم، وهذا بالطريقة التي شرحناها.

والشيخ قد قدّم بأن العلم الضروري والشرعي لا بد أن يتبعه العمل؛ فإذًا ما هو من صلب العلم هو ما كان حاكمًا ودلَّ الحاكمُ في الكتاب والسنة على أنه مفيدٌ للعمل، وهذا شرح هذه الكلمة باختصار ولا نريد أن نطيل لأن الشيخ قد أفاض في هاتين المقدمتين -أي: مراتب العلماء، ومراتب العلم-، وشرحهما شرحًا موسعًا وممهٍّدًا لما يأتي من كتابه.

والآن يأتي الشيخ إلى صور ملح العلم، وبداهةً يقول طالب العلم بأنه ما لم تتحقق فيه الشروط السابقة فإنه من مُلح العلم، بمعنى أنه ما تقدم مما لا يطرد فليس من صلب العلم، وما لا يثبت وهو معرَّض للزوال والذي يسمى اليوم""المتغيرات"كذلك. وهذه الكلمة أيها الإخوة الأحبة كلمة مطاطة نسبية لأن عامة من تكلم في الثوابت والمتغيرات قليلُ ضبطٍ للأصول والفقه، فدخلت فيها النسبية والشخصانية؛ فهم لا يعرفون ما هو الثابت في الشريعة وما هو المتغير، ولا يفهمون ولا يعرفون الفقه ولا أصول الفقه، فتكلموا من جهة أحزابهم ومن جهة ذواتهم، ولم يضبطوا الأمور ضبطًا صحيحًا، ومثال ذلك:"

عدم التفريق بين ما هو اجتهادي وما هو خلافي:

عامة من يتكلم اليوم يقول بأن المسائل الخلافية هي المسائل الاجتهادية، وهذا غير صحيح على ما يقرره أئمة التحقيق في مسائل الأصول كشيخ الإسلام بن تيمية، فهو يقول بأن المسائل الاجتهادية أكثر ضيقًا من المسائل الاختلافية، والمسائل الاجتهادية هي التي يجوز فيها النظر والاختلاف ويمكن أن يجد كل مختلف فيها وكل قائل دليلَه، ولكن ليس كل مسألة خلافية معتبرة، فهناك خلاف غير معتبر.

وقد بُحثت مسألة"ما يجوز فيه الاختلاف"في هذا العصر، وبما أن الشريعة ثابتة؛ فما الذي يمكن أن ندخله في المتغيرات؟ -مع أن العبارة غير دقيقة، فالشريعة ليس فيها شيء اسمه متغيرات بل هي ثابتة؛ لكن اختلاف الفقهاء مبني على الفتوى، وقد سبق وذكرنا الفرق ما بين الفقه في مجاله المطلق وما بين الفتوى حين تتغير الأسباب وتتغير الموانع وتتغير الشروط-.

كل حزبي وكل مفكر يضبطها بما يشاء، حتى إن بعضهم جعل خلاف المعتزلة مثلًا في مسائل الاعتقاد من المسائل التي يجوز فيها النظر. فكل واحد يوسع بحسب نظره، والأصل أن يعاد تقييم ما هو جائزٌ الاختلاف فيه وما هو غير جائز إلى ضوابط وأصول الفقه، وهذه مسألة لا أريد أن أطيل فيها كما فعلت في موضوع التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية، لأنها قليلة النفع.

"- والقسم الثاني:"

وهو المعدود في مُلح العلم لا في صلبه: ما لم يكن قطعيا ولا راجعا إلى أصل قطعي، بل إلى ظني، أو كان راجعا إلى قطعي إلا أنه تخلف عنه خاصة من تلك الخواص، أو أكثر من خاصة واحدة؛ فهو مخيل، ومما يستفز العقل ببادئ الرأي والنظر الأول، من غير أن يكون فيه إخلال بأصله، ولا بمعنى غيره، فإذا كان هكذا؛ صحَّ أن يُعد في هذا القسم"."

طيب إذًا هو ما تقدم من الكلام بأنه إذا تخلف شرط من هذه الشروط فإنه يكون من ملح العلم.

فأولاً قال:"من المعدود في ملح العلم لا في صلبه: ما لم يكن قطعيًا".

وأنتم تعرفون أن مسائل الفقه عند العلماء يعتبرونها من المسائل الظنية، وهذا غير صحيح، وشيخ الإسلام في كتابه (الاستقامة) شنَّع على هذه المقالة وكأنه يقصد بها إمام الحرمين الجويني؛ فإن الفقه بقواعده هو علم يقيني ثابت، ولكن هناك مسائل متفق عليها، ويقرر شيخ الإسلام بأن المسائل العملية وأن أصول المسائل العملية متفقٌ عليها، وأما ما زاد عن الأصول العملية من التفريعات وغيرها فيقع فيها الخلاف، ولذلك يقول:"لما كثر التفريع عند المتأخرين كثر الخلاف"، وأما ما كان على طريقة السلف في الفقه وهو النظر في الفعل فقط -وقع أو لم يقع؛ فكان الخلاف فيه يسيرًا، بخلاف ما يشيعه الناس بأن مسائل الفقه كلها خلافية.

قال:"ولا راجعا إلى أصل قطعي، بل إلى ظني".

راجع إلى أصل قطعي يعني راجع إلى الكتاب متواتر من السنة بمجموعها، على طريقته فيما تقدم من أن الظني قد يزيد بكثرة أدلته إلى درجة اليقيني والقطعي. وكذلك يتكلم عما كانت دلالته قطعية، وقد قلنا بأنه يجب على الفقيه أن يعرف مراتب الألفاظ ودلالتها على المعاني ومرتبة هذه الدلالة، وهي قاعدة لا يجوز للفقيه أن يخطئها.

فمراتب دلالات الألفاظ هي إما مراتب قطعية وإما مراتب ظنية:

-المراتب القطعية: أفضل من فسرها هم الأحناف: أولاً"المحكم"، ثانيًا"المفسر"، ثالثًا"النص"، ونبدأ بالنص إلى المفسر إلى المحكم. ..."النص"ما كانت دلالته على معناه دلالة واحدة، كقولك: واحد. لما يقول سبحانه: {تِلًكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة} ، هذه زيادة -مع أنه اختُلف في كونها زيادة أم تفسير على ما ذكره الشافعي في (الرسالة) -، وهذا يسمى بالمفسر، فسره الشارع مع أنه"نص". ... والنص والمفسر قد يجوز فيهما النسخ، لكن"المحكم"ما لا يجوز فيه النسخ. إذًا ما هو المحكم؟ هو النص المفسَّر الممنوع من النسخ، فإذا ذهب الشرط الأول -وهو الممنوع من النسخ-؛ نزل إلى مرتبة"المفسر"، فإذا لم يوجد التفسير ووُجدت دلالة اللفظ من ذاته فقط؛ فهو النص.

-المراتب الظنية: كل ما وراء النص دلالتُه ظنية، ونبدأ بالظاهر فما دونه، وابن القيم يتكلم عن الظاهر في (الصواعق المرسلة) ، وهذا كتابٌ أنشأه لبيان أن التأويل هو شر كله، فهو كتاب رائع وإن كان موضوعه مسائل الاعتقاد إلا أنه كذلك مفيد في الأصول. وابن القيم إمام عظيم في اللغة، وله اختيارات فقهية عظيمة جدًا وهو دائمًا يميل إلى اختيارات سيبويه، وله قواعد رائعة في مسائل اللغة لو جُمعت لَخَرج طالب العلم بفائدة عظيمة منها، وما يقوله عن الظاهر هنا ملحظٌ جيد بالنسبة إلى مؤدَّى الشيء وعدم الوقوف فقط على بدايته، يقول:"الظاهر عند علماء اللغة هو ما جاء إلى ذهنك في بداية الكلام"، ويقول:"اللغة في كلها"ظاهر"، وهي في أغلب الألفاظ المراد فيها بيِّن؛ فهي بقوة دلالة النص في نفس السامع"، يعني أنت لما تحدث رجلًا بكلمة على مستوى"النص"؛ يحدث لديك الاطمئنان التام إلى معناها، وإذا خوطب الإنسان بلفظ من قسم"الظاهر"؛ جاء المعنى الأول إلى نفسه -وهو المقصود-، وبكليهما حصل المعنى، فيقول: "وإن كانت الألفاظ العربية في عمومها على قوة"الظاهر"وعلى مرتبة"الظاهر"؛ إلا أنه إذا سمعها المرء استقر المعنى الأول في نفسه على ما يستقر معنى"النص"، وهذا هو المطلوب".

يقول:"أو كان راجعا إلى قطعي إلا أنه تخلف عنه خاصة من تلك الخواص".

كونه غير ثابت أو غير مطرد ... إلخ.

"أو أكثر من خاصة واحدة؛ فهو مخيل".

أي يدخل في دائرة الملح، والمخيل يعني ما دخل في دائرة الخيال والظن.

قال:"ومما يستفز العقل ببادئ الرأي والنظر الأول".

هنا الشيخ يوقفنا على بداهة الرأي والنظر الأول:

وهذه كلمة يجب عليك أن تعتني وتهتم بها وعليك كذلك أن تفهمها في سياقها، وعلماؤنا يستخدمونها كثيرًا، سواءً علماء اللغة أو علماء الكلام أو غيرهم: ما الذي جاءك في أول الأمر واستقر في نفسك؟

وهذا ليس على إطلاقه إلا عندما يكون المرء سليمًا في نظره؛ فبعض الناس قد فسد عقله ورأيه، فبعد ذلك لا ينفعه أن يقال أنَّ الميزان هو ما استقر في بداهة الرأي عنده، ولذلك ابن خلدون يقول في (المقدمة) :"فإذا أعياك معرفة الحق عن طريق العقل الصناعي فعليك أن تُخلي نفسك إلى فطرتها (العقل الفطري) "، والعقل هو المنطق وتركيب الكلام والمقدمات وهكذا.

ما هو الاستصحاب؟

والعقل الفطري هو الاستصحاب، والاستصحاب هو الحكم الأصلي، ويسميه ابن حزم"الدليل"، ويسميه الأصوليون"الحكم العقلي"، وهو:"بقاء الشيء على ما كان ما لم يأتِ ما يُغيِّره"، وهو ما استقر عليه العقل بداهةً، ونحن نستدل به على الفروع؛ مثل كون الأصل في المياه الطهارة، والأصل في الأشياء الحل والإباحة، والأصل في التعبدات المنع، ويُبنى عليه مسائل كثيرة مثل:"مَن المطالب بالدليل؛ النافي أم المثبت؟"؛ لكن هل يمكن أن نستدل بالاستصحاب على بداهية العقل؟

الجواب: نعم، فإن بداهة العقول فيما هو حسن وما هو قبيح أصلٌ في معرفة الحسن والقبح. كيف هذا؟

لو أن إنسانًا بفطرته سئل عن الحسن والقبح في شيء؛ فإن بداهة ما يأتي إليه هو الاستصحاب لأنه هو الأصل.

أنا سأضرب مثالًا بعيدا، لأن هذا ينبغي أن تفهموه من أجل أن نعرف كيف يُسلَّكُ الناس بالباطل، فالإنسان مهما عتى أمره -إلَّا أن يصبح قلبه مجخيًا كالكوز كما في الحديث-؛ فإن بداهة العقل -أي الفطرة- تمنعه من أن يُسَلَّك تسليكًا تامًّا، ولذلك اللحظة الأولى هي الحاكمة وهي الفطرة في الحكم على الموقف من الأمر:

لقد أجروا دراسة على الذي يسمون في الغرب -جهلًا وضلالًا وتهوينًا لفعلهم المجرم- بالمثليين، والذين نسميهم باللوطيين؛ ودرسوا ردة فعل"المثلي"عندما يرى الرجل يُقَبل الرجل؛ فقالوا أنه أول ما يرى هذا المنظر يستقذره، ثم بعد ذلك يأتي التسليك. فحتى هؤلاء الذين يمارسونه ويدعون له لا يستسيغونه بادئ الرأي، لكن يبررون بعدها؛ فهذه بداهة العقل: كون العقل الفطري يبقى حجة لله -عز وجل- على خلقه.

فالقصد أننا نستصحب بداهة الفطرة؛ لكن الاستصحاب يسميه علماؤنا: قوة إثبات لا قوة دفع، يعني أنه يثبت الشيء لكن لا يستطيع أن يدفع غيره إذا جاءه، بل هو يُدفع.

إذًا هو يقول:"ومما يستفز العقل ببادئ الرأي والنظر الأول، من غير أن يكون فيه إخلالٌ بأصله، ولا بمعنى غيره، فإذا كان هكذا؛ صحَّ أن يُعد في هذا القسم".

"فأما تخلف الخاصية الأولى -وهو الاطراد والعموم- فقادحٌ في جعله من صلب العلم؛ لأن عدم الاطراد يقوي جانب الاطِّراح ويضعف جانب الاعتبار".

هذه قاعدة:"عدم الاطراد يقوي جانب الاطِّراح"، يعني عدم الاطراد يقوي جانب الطرح والإبعاد، وهذا شيء مقررٌ في العقول، فعندما يكون شيء مطردٌ يدخل فيه عموم الناس أو يدخل فيه عموم الأحكام؛ فإنه لا يستطيع أحد أن يطرحه، فلو جاءت فرعية من الفروع وأراد المرء أن يخرجها من العموم فلا يستطيع لأنه يقول أن الأمر مطرد. لكن لو لم يكن الأمر مطردا؛ لجاز للحادثة أن تخرج عن هذا العموم، فيصحّ اطراحها منه.

طبعًا عندنا قاعدة من القواعد المهمة، أنَّ:"خروج بعض فروع القاعدة لا ينقضها"، وهذه تقرؤونها في كتاب (الأشباه والنظائر) ، فلا تجدون قاعدة إلا ولها شواذ خارجة عنها لأسباب؛ فالقاعدة ليس من شرطها ألا تتخلف أبدًا، لكن التخلف يكون لأسباب أقوى من قوة القاعدة، فإذا جئنا إلى قاعدة عامة فلا يجوز أن نُخرج منها فرعًا إلا لسبب أقوى منها.

قال:"ويضعف جانب الاعتبار".

والاعتبار هو أن تأتي بشيء منصوص عليه في التاريخ أو في الحكم فتُلحق به شيئًا غير منصوص عليه: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَار} ، بمعنى: ألحقوا ما أنتم فيه من أحكام بما وقع وأخبرتكم به من أخبار، ولذلك قالوا إن"الاعتبار"هو"القياس"؛ فما دامت القاعدة أو المسألة غير مطردة فيضعف جانب الاعتبار أي الإلحاق وهو القياس.

"إذ النقص فيه يدل على ضعف الوثوق بالقصد الموضوع عليه ذلك العلم، ويقربه من الأمور الاتفاقية الواقعة عن غير قصد فلا يوثق به، ولا يُبنى عليه"

هنا كلمة رائعة:"ويقربه من الأمور الاتفاقية":

الأمور الاتفاقية تعارض الأمور السننية. لما مات إبراهيم -عليه السلام- ابن حبيبنا المصطفى؛ حصل الكسوف، فتحدث الناس عن ارتباط الموت بالكسوف، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته) ، إذًا فوجود الأمرين متزامنين اتفاقيٌّ، فنفرق إذن بين جريان السنن وارتباطها -مثل ارتباط الرعد بالمطر، فهذا أمر اطرادي-، وبين الأمور الاتفاقية التي تحدث على جهة الاتفاق وليس على جهة الربط الشرعي ولا القدري.

"وأما تخلف الخاصية الثانية -وهو الثبوت- فيأباه صلب العلم وقواعده فإنه إذا حكم في قضية، ثم خالف حكمه الواقع في القضية في بعض المواضع أو بعض الأحوال؛ كان حكمه خطأ وباطلا، من حيث أطلق الحكم فيما ليس بمطلق، أو عمّ فيما هو خاص؛ فعدِم الناظر الوثوق بحكمه، وذلك معنى خروجه عن صلب العلم".

قال:"تخلف الخاصية الثانية".

وهي الثبوت من غير زوال، قال الشيخ أنه إذا كان العلم غير ثابت وصحَّ فيه الزوال؛ دلَّ على أنه من مُلح العلم، ويقول أن مِن دليل الثبوت أنه إذا تكرر الفقه تكرر الحكم، وإذا تغيَّر دلَّ على أنه خطأ وباطل، وإذا كان كذلك خرج مِن أن يكون من صلب العلم.

"كان حكمه خطأ وباطلا، من حيث أطلق الحكم فيما ليس بمطلق":

هناك فرق بين الفقه بإطلاقه وبين الفقه بواقعه؛ الواقع يجب أن يُراعى فيه الشروط والموانع والأسباب والعوارض، وهذا لا يتحدث عنه الفقه، إنما تهتم به الأصول، والنظر للمآلات يعتبره المفتي، لكن الفقيه يقرأ المسألة باعتبار إطلاقها؛ فالشيخ يقول أنه من الخطأ أن تُطلق المقيد أو أن تُعمم الخاص.

"وأما تخلف الخاصية الثالثة -وهو كونه حاكما ومبنيا عليه-؛ فقادح أيضا؛ لأنه إن صحّ في العقول لم يستفد به فائدة حاضرة، غير مجرد راحات النفوس، فاستوى مع سائر ما يتفرج به، وإن لم يصحّ فأحرى في الاطراح، كمباحث السوفسطائيين ومن نحا نحوهم".

السفسطائية هو مذهب يوناني يجيز الشيء ونقيضه، ويجيز وجود المتناقضات، مثل قول أن كل اعتقاد صحيح، ويتفرع عن هذا قول المصوِّبة، وهم الذين يقولون أن كل مجتهد مصيب، يقول شيخ الإسلام:"وهذا أساس الزندقة"، والمخَطِّئة هم الذين يقولون بأن الحق واحد والبقية مخطئون.

وللأسف غلب على أهل الإسلام قولُ المصوبة، وأول من نشرها -فيما أعلم- وأرسى قواعدها هو الغزالي في (المستصفى) ، حيث قال أن كل مجتهد مصيب، وانتهى أمر المصوِّبة إلى كتاب الشعراني المسمى (بالميزان الكبرى) ، ويكفي في الرد عليهم قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ) ، ولما سُئل -صلى الله عليه وسلم- عن الرجل الذي حدث برؤية -كما في الصحيحين-،"فقال أبو بكر: يا رسول الله، دعني أؤولها له، فأولها فسأل أبو بكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن قوله فقال: أخطأت وأصبت، وقال أبو بكر: أقسمت عليك بالله أن تخبرني بما أخطأت به، فقال: يا أبى بكر لا تقسم"، يعني هذا من العلم الزائد، فخطَّأهُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فالمجتهد أصاب في نفسه؛ لكن لم يصب الحق في الواقع.

وقد قال الشعراني الصوفي تفريعًا على قاعدة المصوبة: ما دام أن كل مجتهد مصيب؛ إذًا فالاختلافات تنزل باعتبار درجة المكلف في التعبد، وهي ثلاث مراتب: ظالم لنفسه، مقتصد، وسابق بالخيرات، فاستقر على أن اختلاف الفقهاء يستوعب مراتب العابدين، فإذا اختلف الفقهاء في مسألة بين كاره ومحلِّل ومحرِّم؛ يقول: هو مباح للظالم لنفسه، ومكروه للمقتصد، وحرام للسابق للخيرات! وفقه التيسير الباطل المعاصر هو تخريج على قاعدة تصويب الفقهاء والمجتهدين، فلأن كل مجتهد مصيب؛ فعلى الفقيه أن يختار المناسب للمكلَّف، فالعبرة بمرتبة العابد لا بالدليل.

وهنا مسألة لا بأس هنا نمر عليها وهي:

الزعم انحرافًا وجهلًا بأن الإمام الشافعي غيَّرَ فقهه بسبب أحوال الناس لما دخل مصر:

الشافعي له مذهبان: مذهب قديم -المذهب العراقي-، ومذهب جديد -لما دخل مصر-، وعلماء الشافعية لا يأخذون بالمذهب القديم إلا في مسائل معدودة. -منها: وقت صلاة المغرب، إذ مذهبه القديم فيها أفضل من الجديد، ففي الفقه القديم قال بأن وقت المغرب يمتد من مغيب الشمس إلى غياب الشفق الأحمر، وفي المذهب الجديد قال بأن وقت صلاة المغرب إنما هو وقت صلاة واحدة بمقدار أن يتوضأ المرء ويصلي سبع ركعات بفقط-.

لماذا غيَّرَ الشافعي مذهبه؟

زعم الجاهلون اليوم أنه لما ذهب لمصر فوجد الناس على حال مختلفة؛ فأفتى لهم فتاوي مختلفة، وهذا كذب، لم يغير الشافعي فقهه لأنه رأى أحوال الناس مختلفة في مصر، وإنما لأنه سمع أحاديث جديدة لم يكن قد علمها لا في العراق ولا في الحجاز وهي أحاديث الليث بن سعد. وأهل الإسلام كانوا كلهم بلادا واحدة وكانت لهم أمزجة واحدة، وكما قلنا بأن الدين لا يتغير باعتبار التاريخ؛ فكذلك لا يتغير باعتبار المكان.

وإحدى صور الضلال بل والزندقة التي يمارسها البعض اليوم هي الزعم بأن كل بلد ينبغي أن يكون له إسلام خاص يوافق مزاج أهله؛ إذًا الإسلام أصبح محكومًا بالأمزجة لا حاكمًا، وهذا ضلال وانحراف.

وهذا وقع حتى في المذاهب لما أصبحت مجرد نسبة قبلية فصارت جاهلية قال عنها -صلى الله عليه وسلم-: (دعوها فإنها منتنة) ؛ فالحفاظ على المذاهب بالنسبة للدول اليوم هو جزء من معركة الحرب على الإسلام لأن المذاهب بصورة مشيختها الوارثة لها -لا بصورتها الحقيقية- أصبحت مطية للطواغيت، فتجد المشايخ المذهبيين والتقليدين خدمًا للطواغيت، ويصبح المذهب مؤسسة، وهذا ضلال.

فإذًا المصوبة هم أساس هذه الأفكار الضالة التي تجدونها، وقد انطلقنا من قول الإمام الشاطبي:"كمباحث السفسطائيين"لقول أن هناك سفسطائية في الفقه؛ ولذلك نقل ابن حزم بسند صحيح عن بعض التابعين قولهم:"من أخذ بزلة كل عالم فقد تزندق"، فالعلماء لهم زلات من جمعها تزندق، وقد جمع أحدهم أخطاء الأئمة وتيسيراتهم وسقطاتهم ورخصهم، وعُرض الكتاب على الإمام أحمد فقال:"هذا كتاب الكفر"، سماه كفرًا لأنه يؤدي إلى إسقاط التكاليف، أما الفقه؛ فقد قال إمام الفقهاء سفيان الثوري:"الفقه الأخذ بالرخصة مع دليل".

الآن الشيخ يبدع في الأمثلة:

"ولِتخلف بعض هذه الخواص أمثلة يلحق بها ما سواها:"

أحدها: الحِكم المستخرجة لما لا يُعقل معناه على الخصوص في التعبدات"."

أدخلنا الشيخ هنا في باب رائع جميل هو من باب مُلح العلم، وهو النظر إلى الحِكم المستخرجة من المسائل التعبدية غير معقولة المعنى؛ لأن الأحكام تقسم إلى قسمين: أحكام غير معقولة المعنى، وأحكام معقولة المعنى، والغير معقولة المعنى هي التي لا يجري فيها القياس وأعظم باب فيها هو النسك؛ فلا يدخل القياس في الصلاة مثلا وصفة الوضوء .. إلخ، هذه حكم، ولا يجوز للظاهري أن يستدل بها على إبطال القياس، ولا يجوز للقائل بالقياس أن يحتج بها لإثبات القياس. ولكن ليس كل حكمة لا ينظر فيها تكون من ملح العلم، إلا بشرط أن تكون في المسائل غير معقولة المعنى، لكن هناك أحكام معقولة المعنى مقيدة بعللها، وهناك خلاف في مسائل أخرى مثلاً:

هل الكفارات يدخل فيها القياس أو لا؟

فالشافعية يدخلون فيها القياس والأحناف يجعلونها أمرًا تعبديًّا لا يدخل فيه القياس.

ففي القتل مثلًا؛ الكفارة مذكورة فقط في القتل الخطأ كما في سورة النساء: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤمنًا إلَّا خَطَئًا ومَنْ قَتَلَ مُؤمنًا خَطَئًا فتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَة إلى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَقُوا} ، فهل على قاتل العمد كفارة؟

الأحناف يقولون: الكفارات لا يدخل فيها القياس وهو الصواب -مع أني الشافعي-.

واليمين الغموس، الآية مذكور فيها الكفارة على اليمين الخطأ؛ فهل يمين الغموس عليه كفارة؟ حسب القاعدة الشافعي عليه كفارة، والأحناف قالوا: لا، هذه مسائل تعبدية، وهكذا.

فإذًا؛ ما كان غير معقول المعنى من النسك فلا يدخل فيه القياس، وأما ما كان معقول المعنى فيدخل فيه القياس مثل الربا، فالبيوع معقولة المعنى، وكلها قائمة على عدم وجود الضرر، والربا بيِّن سبب تحريمه.

وهناك مسألة من مسائل القياس: ما الفرق بين الحكمة والعلة؟

العلة أمر ظاهر غير خفي، وهي مَنشأ الحكم، والحكمة أمر خفي؛ ولذلك يقولون بأن العلة ظاهرة والحكمة مظنة.

إذًا الشيخ هنا يقرر لنا بأن البحث عن الحِكم في المسائل التعبدية غير معقولة المعنى مِنْ مُلح العلم؛ لأنه تختلف فيه الأنظار.

يقول:"أحدها: الحكم المستخرجة لما لا يعقل معناه على الخصوص في التعبدات كاختصاص الوضوء بالأعضاء المخصوصة، والصلاة بتلك الهيئة من رفع اليدين، والقيام، والركوع، والسجود، وكونها على بعض الهيئات دون بعض، واختصاص الصيام بالنهار دون الليل، وتعيين أوقات الصلوات في تلك الأحيان المعينة دون ما سواها من أحيان الليل والنهار، واختصاص الحج بالأعمال المعلومة، وفي الأماكن المعروفة، وإلى مسجد مخصوص، إلى أشباه ذلك مما لا تهتدي العقول إليه بوجه ولا تطور نحوه، فيأتي بعض الناس فيطرق إليه حِكَما يزعم أنها مقصود الشارع من تلك الأوضاع، وجميعها مبني على ظنٍّ وتخمين غير مطرد في بابه -لأن نفاة القياس سيردون عليهم- ولا مبني عليه عمل، بل كالتعليل بعد السماع للأمور الشواذ، وربما كان من هذا النوع ما يعد من القسم الثالث لجنايته على الشريعة في دعوى ما ليس لنا به علم، ولا دليل لنا عليه".

الشيخ يجري قاعدة حاضرة في ذهنه وهي أن فهم الشريعة مبناهُ على فهم الأمِّيِّين، هذه قاعدة من قواعد الشيخ وقالها غيره كشيخ الإسلام بن تيمية والزركشي في (البرهان) ، فكثرة التعمق والإلتواء ليست من طرق فهم شريعتنا، وقد نقل شاه ولي الله الدهلوي كلمةً عن بعض الحكماء في تفسير القرآن، قال هذا الحكيم في (الفوز الكبير في أصول التفسير) :"ما زال تفسير القرآن مرغوبًا للنفس محبوبا للناس حتى جاء مَنْ شقَّ الشَّعر إلى شقين فبغَّضَ الناس به"، أي زهدهم فيه، أي أنهم لما دخلوا في التعمقات؛ بغضوا الناس في التفسير.

وهذا ليس معناه أننا علينا عدم الاستنباط وعدم معرفة العلوم؛ إنما الكلام عن الذين يعقدون الأمور ويبْنونها على غير مبناها ويُجرونها على غير مجاري كلام العرب، مثل قضية التفسير بحساب الجُمل، هذا لا أحبُّه وليس من علم العرب ولا هم يعرفونه.

"والثاني: تحمل الأخبار والآثار على التزام كيفيات لا يلزم مثلها، ولا يطلب التزامها".

الشيخ كما دخل في الحِكم دخل في علم الحديث، الشيخ دخل هذه في علم الحديث:"تحمل الأخبار والآثار على التزام كيفيات لا يلزم مثلها": الشيخ سيضرب الأمثلة فلا نريد أن نستبقه.

"ولا يطلب التزامها":

لأنها من ملح العلم أي زيادة، وبعض الناس يلتزم مُلحه ويحب السفسطات ليقال عالم، وإذا سألته عن أصول العلم لا يعرفها؛ ومثال ذلك في زماننا هو ما يسمى بالإجازة، فيجمع الأسانيد وكلها أخذها عن طريق الهاتف وفي النهاية لا يكون قد حصَّل شيئًا، ولذلك الإمام الذهبي -رحمه الله- في زمانه -القرن الثامن الهجري- يقول بأن:"طلب الأسانيد للأحاديث اليوم هو من فضول العلم"، وذكر ابن الجوزي -رحمه الله- في (تلبيس ابليس) أن:"الشيطان لبس على البعض بالبحث على كثرة الأسانيد". والأسانيد المقصود بها ما دون أصحاب الكتب الأصلية، مثل من يريد ستين سندًا ليصل إلى البخاري، ما فائدتها؟؟ البخاري عندك سند له؛ فخدته بالوجادة وانتهى الموضوع، فهذا أضاع وقته فيما هو من ملح العلم وشغله عن أصوله وأهمه.

"كالأحاديث المسلسلة التي أُتي بها على وجوه ملتزمة في الزمان المتقدم على غير قصد".

الأحاديث المسلسلة تعرفونها ولا أريد أن أقف عليها: الحديث المسلسل بالأولية، المسلسل بالحب ... إلخ.

"فالتزمها المتأخرون بالقصد، فصار تحملها على ذلك القصد تحريًّا له؛ بحيث يُتعنى -يتعب- في استخراجها، ويُبحث عنها بخصوصها، مع أن ذلك القصد لا ينبني عليه عمل، وإن صحبها العمل؛ لأن تخلفه في أثناء تلك الأسانيد لا يقدح في العمل بمقتضى تلك الأحاديث"

هو يقول أن الأمر قسمان: قسم لا قيمة له لا يترتب عليه عمل، وقسم يترتب عليه عمل في الرواية.

"كما في حديث: (الراحمون يرحمهم الرحمن) ".

هذا حديث مسلسل بالأولية؛ يحرص المحدث أن يكون أول ما يسمعه حتى يقول: وهذا أول حديث سمعته من الشيخ.

"فإنهم التزموا فيه أن يكون أول حديث يسمعه التلميذ من شيخه؛ فإن سمعه من بعد ما أخذ عنه غيره؛ لم يمنع ذلك الاستفادة بمقتضاه، وكذا سائرها؛ غير أنهم التزموا ذلك على جهة التبرك وتحسين الظن خاصة، وليس بمطرد في جميع الأحاديث النبوية أو أكثرها حتى يقال: إنه مقصود؛ فطلب مثل ذلك من ملح العلم لا من صلبه."

والثالث: التأنق في استخراج الحديث من طرق كثيرة"."

هذه النقطة؛ ليت طلبة العلم يستفيدون منها اليوم، فمن أجل تكثير سواد الكتب وتضخيمها وادعاء العلمية؛ يكون الحديث في الصحيحين فيذهب ليستخرجه من كتاب (الفردوس) للديلمي، أو كما يفعل البعض حين يأتي إلى كتاب أصول، فتجد التخريج الكبير لحديث، ما فائدة هذا؟ هذا إفسادٌ لمقصد الكتاب ولمقصد المؤلف، والعلماء يذكرون الأحاديث ليستدلوا بها، فهذا الكتاب وضعه مؤلفه للأصول فيحتج بأحاديث على جهة التمثيل لمسألة، والتمثيل يصح بالأحاديث الضعيفة وغيرها، ويأتي واحد يسود لنا الكتاب بتخريج الأحاديث، والأولى احترام الكتاب وتركه كما أراده صاحبه كتاب أصول لا إخراجه إلى غيره.

وينبغي أن تعرف مرتبة الاستدلال ومرتبة المستدل به:

فمثلًا، بعض الجهلة اليوم -بل حتى بعض من يتكلم في العلم- يظن أنه لما نزلت مرتبة سنن أبي داوود في مرتبة الحديث عن درجة صحيح مسلم مثلًا؛ فأبو داوود نفسه أضعف من مسلم في الحديث! وهذا جهل وعدم احترام لكتاب أبي داوود، فلو يريد أبو داوود بأن يصنع ما صنع البخاري لفَعلَ ولَجرَّد كتابه إلا من الصحيح؛ لكنه لم يرد هذ بل أراد كتاب فقه يحتاج إليه الفقيه، وكما عبر بعضهم:"إذا كان سنن أبي داوود في كتاب فكأن فيه نبيًا ينطق"، فهو أراده للفقيه الذي يحتاج إلى الصحيح وإلى الحسن، ويتحاج إلى ما يقاربه، وقد قال الإمام أحمد:"الحديث الضعيف أحبُّ إليَّ من الرأي"، فهو وضع تلك الأحاديث ليجدها الفقيه، ويأتي آخر فيشتغل في تصحيحها وتضعيفها ويؤلف: (صحيح سنن أبي داوود) !! هذا إفساد لمقصد الكتاب، وهو كان يستطيع أن يصنع أفضل مما صنعت، لكنه لم يرده، ثم هذا إيهام أنك أعلم منه وتصحّح حديثه وتستدرك عليه، وهذا الوهم موجود للأسف عند طلبة علم وعند أناس يظنون أن هذا التصحيح والتضعيف صناعةٌ جديدة للكتاب، وهذا باطل.

فيجب أن تحترم كتب العلماء وأول احترام لها أن نحترم مقاصد العالم، العالم أراد هذا الكتاب على هذا الوجه وهو أعلم منك في بابه الذي تتحدث عنه. فأبو عبيد القاسم ابن سلام مثلًا -صاحب (غريب الحديث) - يعلم أن هذا حديث ضعيف ولكنه يريده للغريب؛ فلا تأتي لتوهم الجاهل حين تضعفه أنك أعلم منه، هو لم يضع الحديث هذا من أجل أنه عجز عن معرفة مرتبته، لكن تخريجه ليس مقصده.

وكما فعلوا في السيرة وكتبوا:"صحيح السيرة النبوية"، فستجدون غدًا: (صحيح غريب الحديث أبي عبيد) !! وهذا إفساد ما بعده إفساد لكتب العلماء وعدم احترام لمقاصدهم.

وهذه جريمة تُمارس اليوم على كتب التراث.

الأسئلة

-سؤال بخصوص تغير فقه الإمام الشافعي في مصر، وهل من شروط الفتوى مراعاة مناط المكان؟

الجواب: الكلام عن تغير الفقه، أما الفتوى؛ فتتغير، فهل تغير فقه الإمام؟

الجواب: نعم، تغير لوجود النصوص الجديدة، فهو علِم نصوصًا جديدة وفقهًا جديدا عند أهل مصر، وازداد بصيرة بما يقوله؛ فتغير الفقه لديه، ولكن لا يتغير الفقه بتغير الزمان والمكان، وهذا بيِّنٌ لمن فهم الفقه وفهم كلام العلماء، وإلا بعد ذلك جعلنا الدين ألعوبة لأمزجة الناس، والدين أعظم من ذلك، والشافعي أعظم من أن يقول هذا، وهو يقرر في كتاب (الرسالة) بأن الدين حاكمٌ لا محكوم بأهواء وأمزجة الناس، وليس الدين بالتشهي.

ثم من قال بأن المجتمع المصري في ذلك الزمان يخالف المجتمع الحجازي أو المجتمع العراقي؟

الناس قديما على طريق واحد، ويذهب المصري إلى الحجاز فلا يجد فرقًا في الأمزجة وكذلك المغرب وهكذا، لا يجدون الفروق التي بها يتغير الفقه.

-ذكر الشيخ كتاب (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) ؛ ألا ينقض عنوان الكتاب قوله بطلان المجاز من الناحية الأصولية؟

الجواب: وإن كان عبارة السؤال ليست واضحة لكن لا بأس أن أشرحها.

ابن تيمية لم يحدد مذهبه في نفي المجاز، ولذلك وقع الاختلاف في فهم كلامه؛ هل يوجد المجاز في اللغة أو لا يوجد؟ القرآن نفوا أن يكون فيه المجاز، وخاصة فيما يتعلق بصفات الله -عز وجل-.

وشيخ الإسلام يناقش كلمة المجاز ويقول بأن أول من أظهرها هو أبو عبيد معمر بن المثنى، وقال بأن معناها عنده هو"ما جاز في اللغة"، يعني الذي يجوز أن يستخدم هذا اللفظ فيه، سواءً كان على الإفراد أو على التركيب. ولما جاء إلى معنى المجاز عند المتأخرين طبق شيخ الإسلام ما يقولونه في المجاز على القرآن:

فما هو المجاز وما هو الظاهر؟

قلنا أنَّ الظاهر هو ما كان فيه معنًى جليٌّ وفيه معاني خفية، هذا المعنى الخفي اسمه المجاز، فالذي يبدَهُ المرء هو الظاهر، ولذلك قال عنه: ما كان معنًى خفيًا في اللفظ يدل عليه السياق أنه المراد ابتداءً. فلذلك لما يقول: يد الله؛ أول ما يخطر على ذهن السامع هو الظاهر، وهو المقصود، وهو أن لله يد، هكذا تفهم العرب، هذه طريقة شيخ الإسلام في بحثه لهذه قضية كما في كتاب (الإيمان) .

هناك من المعاصرين من يرفض المجال في القرآن كليًا، وعلى رأسهم الشيخ محمد أمين الشنقيطي صاحب (أضواء البيان) ، وعمدة كلامه أن المجاز فيه احتمال الكذب، حيث استخدام اللفظ فيه إمكانية الخطأ، فإذا قلنا بهذا على القرآن؛ جاز تكذيب القرآن، هذه قاعدته.

الآن ابن القيم يرفض التأويل -وهو أخذ اللفظ عن ظاهره إلى المعنى المحتمل بوجود القرينة-، ويقول هذا التأويل شر وباطل لا وجود له، فهو ينفي المجاز، أي ينفي حمل اللفظ عن ظاهره إلى معنى محتمل آخر موجود.

وأهل البلاغة يقولون أنَّ عظمة اللغة العربية هي وجود المجاز فيها، بل أغلبهم يحمل البلاغة في العربية على المجاز، لما يقول الله -عز وجل-: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} ، فهذا مجاز، وأهل البلاغة يعممون كلمة"المجاز"، ويقولون أنه كلما حُملت صف على غير موصوفها المعهودة به فهو مجاز، كلما أبدع المتكلم في مل الصفة على غير موصوفه كلما كان المجاز أبلغ.

ففي: {واخفض لهما جناح الذل} ، كيف يكون للذل جناح؟ فلما جاء بهذا المعنى الملائم للواقع كان هذا هو قمة البلاغة.

فالكلام عند أهل البلاغة غير الكلام عند الأصوليين وعند المتكلمين، المتكلمون جاؤوا إلى قضية أسماء الله وصفاته وقالوا أن المقصود بها المجاز. الذل لا نعرف له جناحًا ولكنه استخدمه لمعنى مناسب للحال، وهو أن الجناح يريد الطيران والارتفاع، وكلما ارتفع المرء في غير جانبه كان ذلًّا له، كواحد يدعي العلم، أو يتكبر على أبيه؛ هذا ارتفع جناحه لكن هذا ذلٌّ له، فللذُّل جناح، فهذا معنى عظيم وبليغ أراده القرآن، وهذا يحمل عليه والناس يعرفونه. لكن لما يحملون"يد الله"على غير ظاهرها وينفون أن لله يدًا، فقد أدخلوا الاحتمال العقلي، وهو أنكم قاسوا الغائب على الحاضر، وهذا لا يجوز، والغائب مطلق والحاضر مقيد ومحصور، فهذا ادعاء.

الآن يأتي إلى قضية التأويل في توسيعه، والتأويل في لغة الفقهاء والأصوليين هو الاجتهاد، فاللفظ المحتمل أخذنا به، واللفظ الظاهر صرفناه عن ظاهره لمعنى آخر، هذا الحمل يسميه الفقهاء مجازًا. وابن القيم يقول أن أي تأويل لعالم الغيب حرصًا على ألا يقع التشبيه أو أن لعدم التصور فهو باطل، وهذا هو كلامه في هذا الباب، والله تعالى أعلم.

فجواب سؤال الأخ:"لا ينقض عنوان الكتاب قوله بطلان المجاز من الناحية الأصولية"؟

الجواب: لا، لأن المجاز عند أهل الأصول يختلف عن المجاز عند أهل الكلام.

-يقول السائل،: ما هو السبب في اقتصار ذكر الأئمة الثلاثة في (الموافقات) دون أحمد بن حنبل.

الجواب: هذا الأمر ليس جديدًا، وإن بعض أهل العلم لا يعد الإمام أحمد فقيهًا له أصوله التي ينسب له هذا المذهب، وأول من أخرج أحمد من الفقهاء هو الطبري؛ فإنه لما ذكر اختلاف الفقهاء ذكر الثلاثة لم يذكر أحمد، ولما سئل قال:"أحمد محدث وليس فقيهًا".

والحنابلة يعيبون على من تغير من حنبلي إلى شافعي، والخطيب البغدادي لما جاء لكتاب (تاريخ بغداد) قال عن الشافعي:"تاج الفقهاء"، وبالرغم من أنه ترجم لأحمد ترجمة واسعة وسماه ب"سيد المحدثين"، غضب الحنابلة، ولما ذكر ابن عبد البر -رحمه الله- فضائل الأئمة الثلاثة؛ ولم يذكر أحمد، وأنته تعلمون مكانة هذا الإمام في الفقه.

ولذلك كثير من الفقهاء لا يعدون لأحمد مذهبًا خاصًا إنما يعدونه تابعًا للشافعي، هذا واحد.

وثانيًا لكثرة الرواية عنه: يعتبرون أنه كثر في المسائل، فمرة قولين ومرة ثلاثة ومرة أربعة، فيختلف عليه الفقه، فيقولون هذه ليست سمة الفقهاء وطريقتهم، وأنه لم يأتِ بأصول جديدة خاصة به، إنما هي أصول قد سبقه بها الشافعي فهو تابع له. فغضب الحنابلة من هذا غضبًا عامِّيًا وغضبًا علميًا:

-أما الغضب العامي: أنهم طينوا باب الطبري حتى منعوه من الصلاة، فثار ذعار الحنابلة على الخطيب حتى كادوا أن يقتلوه ولذلك خرج هاربًا إلى دمشق. طبعًا ابن عبد البر كان أصلاً في المغرب ولا يوجد حنابلة هناك، لكن المشكلة في العراق؛ فبعد فتنة الإمام أحمد -رحمه الله؛ وصبره وجهاده في فتنة خلق القرآن؛ أصبحت بغداد كأنها قاصرة على الحنابلة، والصراع بين الحنابلة والشافعية في بغداد كان مرات يغلُب ويحصل فيه الاقتتال أكثر مما يحصل بين أهل السنة وبين الروافض. فالقصد بأن هذا غضب العامة من الحنابلة، وهو غضب يبقى اليوم.

-وأما غضب العلماء: فنشط الحنابلة إلى تأصيل مذهبهم، لكن ليس للحنابلة كتب خاصة أصولية إلا ما أخذوه من غيرهم، مثل ذكرت لكم من (روضة الناظر) مع (المستصفى) . ... ولذلك إن بعض مَن كتب اليوم في تاريخ أصول الفقه -للأسف- لا يذكرون بعد (الروضة) لابن قدامة إلا كتب الأصول الحنبلية، وكأن الأصول قد أُقفلت عليهم، مع أنهم ليس لهم قبل (الروضة) شيئ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت