الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، هذا هو الدرس الثامن من دروس شرح الموافقات للإمام أبي إسحاق الشاطبي - عليه رحمة الله -، تفضل يا شيخ اقرأ ... المقدمة الثالثة ..
"المقدمة الثالثة: الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم، فإنما تستعمل مركبة على الأدلة السمعية، أو معينة في طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة، لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع، وهذا مبينٌ في علم الكتاب، فإذا كان كذلك، فالمعتمد بالقصد الأول الأدلة الشرعية، ووجود القطع فيها على الاستعمال المشهور معدوم، أو في غاية الندور أعني في آحاد الأدلة، فإنها إن كانت من أخبار الآحاد فعدم إفادتها القطع ظاهر، وإن كانت متواترة فإفادتها القطع موقوفة على مقدمات جميعها أو غالبها ظني، والموقوف على الظني لا بُدَّ أن يكون ظنيًا، فإنها تتوقف على نقل اللغات وآراء النحو، وعدم الاشتراك وعدم المجاز، والنقل الشرعي أو العادي، والإضمار والتخصيص للعموم، والتقييد للمطلق، وعدم الناسخ، والتقديم، والتأخير، والمعارض العقلي، وإفادة القطع، مع اعتبار هذه الأمور متعذر، وقد اعتصم من قال بوجودها بأنها ظنية في أنفسها، لكن إذا اقترنت بها قرائن مشاهدة أو منقولة فقد تفيد اليقين، وهذا كله نادر أو متعذر."
الحمد لله جزاكم الله خيرًا، هذا أفسد قولٍ في هذا الكتاب، هذا القول هو أفسد قولِ، وهو أفسد ما في هذا الكتاب، وهذا المبحث، تشير عبارة الشيخ أبي إسحاق إلى أنه كتبه على جهة التقليد بمن تقدم، ولا تتعجبوا من هذه الكلمة، فإن هذه المقدمات العقلية التي أفادها الشيخ هنا مأخوة من علم الكلام ومن تقريراته، وأضرب لكم مثلًا لما يُتعجب منه من أثر المتكلمين على الأصوليين ومما أحدثوه، لما كتب الإمام أبو محمد بن قدامة المقدسي - عليه رحمة الله - كتابه الأصولي المشهور (روضة الناظر) ، فإنه جعل له مقدمة أخذها أخذًا كاملًا مع شيء من التغيير من (المستصفى) للغزالي، وأبو محمد بن قدامة المقدسي أثري، ومن العائبين على أبي الكنانة، ولذلك عاب عليه بعض الحنابلة هذا الصنيع، كيف يأتي إلى هذه المقدمة المنطقية، والتي لا تفيد شيئًا في علم الأصول إلا ما قرره الغزالي في (المستصفى) كما سنذكر، كيف أتى بها وهو رجل أثري، بمقدمة لا تفيد في علم الأصول؟ اعتذر عنه بمعاذير. ولكن لتروا أن صياغة العلوم في تاريخنا كانت محكومةً باتجاهٍ ما، وخاصة ما نحن فيه، أي علم أصول الفقه، فإنه محكوم في كثير من مقدامته