كلام الأصولين، وعاش مع الفقهاء، ورأيناه كيف يرسل الرسائل إلى العلماء يسألهم ويستفتيهم ويتقفر العلم في المسائل الدقيقة. هذا من أجل أن تعرفوا أن هذا العلم ليس مجرد إلهام، ولا يؤخذ بالكسل، ولا يؤخذ بالنوم، ولا يؤخذ بالتأولات الذاتية، هذا علم لا ينشأ بالتأملات، فلا بد من وجود الفروع، لا بد من وجود المراجعات لكلام أهل العلم. وقد عاب الشيخ في كتاب (الاعتصام) على الذين يزعمون أنهم كتبوا كتبهم دون أن يرجعوا لكلام العلماء من أجل أن يمدحوا أنفسهم، فعاب هذا وعدَّهُ أمرًا فاسدًا في التصنيف والتأليف والنظر؛ فالعلم يُنشئ العلم، والقراءة تنشئ القراءة، والنظر ينشئ النظر، والنصيحة تنشئ النصيحة، ولا بد أن تقرأ في كلام أهل العلم فهو ينشئ لديك علومًا في قلبك، وهذه هي الطريقة الصحيحة: لا بد أن تقرأ.
وكذلك رأينا في هذا الكتاب ابتكارًا، أو كما يسمونه اليوم بالإبداع، رأيناه قد خاض في مقدمات نبهنا إلى أن بعضها أخذها من آخرين، ولكنه صاغها وزاد عليها ونقحها بطريقة رائعة ومفيدة مع سهولة في الخطاب، وبهذا أنتم رأيتم انهيار الحاجز النفسي بين طالب العلم وبين كلام العلماء السابقين. وعلم الأصول ينفر منه الناس خوفًا منه ظانين أنه علم معقد، ونحن رأينا في هذه المقدمات أن الأمر فقط يحتاج إلى بعض العناء؛ فلو أنك أردت أن تطبخ طبخة ربما تحتاج إلى وقت أكثر مما تحتاج في قراءة هذا الكتاب، وقراءة مقدمة من مقدمات هذا الكتاب، لكن الناس يريدون كلام أهل العلم كالجرائد، وهذه إهانة لكلام أهل العلم.
لماذا ينفر الناس من الشعر؟ لأنه يحتاج إلى تأمل، يحتاج إلى قراءة في نفسية القائل: هذه الكلمات على أي معنى أراد الشاعر أن يقولها، فإذا كان هذا الشعر يحتاج إلى تأمل؛ أفلا يحتاج كلام أهل العلم إلى تأمل؟! فلماذا لا تقف عنده، لماذا لا تحفر في داخل هذا الكلام، والحفر في داخل الكلام هو الذي يعطيك جماله، الجمال لا يمكن أن ينشأ من غير فهم، إذا أردت أن تشعر بجمال الكلام؛ لا بد أولًا أن تفهمه، ولذلك رأينا سهولة الكلام لما نحلله، والسهولة تنتج متعة النظر إلى الجمال، وندرك بعد ذلك كيف نشأ هذا.
فلذلك؛ رأينا عقلًا، رأينا جمالًا، رأينا سهولةً في كلام هذا العالم، ورأينا استقراءً على معنى أنه جمع لنا في هذه المقدمات الكثير مما تفرق في الكتب الأخرى وناقشها وأبدى رأيه فيها، وهذا يدل على ثقة في النفس، وأنه رأى نفسه بهذا المقام. بل قال إن كتابه هذا لا يصلح لفهمه ولا يقبل ما فيه إلا من خرج من ربقة التقليد، والتقليد ليس علمًا، التقليد مجرفة للعقل، يدمر العقل؛ ولذلك لا بد للمرء حين يقرأ هذا الكلام أن يقرأه على معنى النظر والبحث، وعلى معنى المشقة، والتكليف فيه نوع مشقة.