فهرس الكتاب

الصفحة 681 من 809

تقدم القول في فهم الأقوال ومجاري الأساليب، لأن اللغة العربية لغة البلاغة، وهي -كما يقولون بالمعنى البلاغي- لغة المجاز، فلما مثلًا يأتي الأمر بصيغة الخبر، هذا من بلاغة العربية، قال:"والدخول في الأعمال"، لأن فهم المرء للأمر يعلمه من صيغة الكلام.

"فأما فهم الأقوال؛ فمثل قوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] ، إن حمل على أنه إخبار؛ لم يستمر مخبره لوقوع سبيل الكافر على المؤمن كثيرا بأسره وإذلاله؛ فلا يمكن أن يكون المعنى إلا على ما يصدقه الواقع ويطرد عليه، وهو تقرير الحكم الشرعي؛ فعليه يجب أن يُحمل":

هذه الآية كما ترون هي في سورة النساء وهي في سياق كلام الله عن المنافقين في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} ."لن"هنا تفيد العاقبة الطويلة أو المؤبدة كما يقول بعض أهل البلاغة.

الإمام وقف عندها، وهو الآن يبين لنا وجوب حملها على أحد المعاني: هل هي خبر أم أمر؟

فإذا كانت خبرًا -أي هي على معنى الكلام الذي تقدم-؛ هل هي حكم قدري؟ ألا يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا؛ هل هو حكم قدري؟ وإذا قلنا بأنه حكم قدري على معنى ما تقدم؛ فلا يجوز أن يتخلف، لأن الحكم القدري لا يتخلف، فهل هي حكم قدري (وعد قدري) لا يتخلف؟ الشيخ الشاطبي يقول: لا، ليست حكمًا قدريًا، والسبب: أن هذا الحكم قد تخلف؛ إذ رأينا أن الكافر يستعلي على المؤمن ويُذله وينتصر عليه، والدليل قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} ، نقطة بلاغية: أن الله سمى نصر المؤمنين فتحًا وسمى غلبة الكافرين نصيبًا، وأنا أتركها لكم لتتأملوا فيها: لماذا يكون نصر المؤمنين فتحًا وغلبة الكافرين نصيبًا؟ فإذًا الآية كما ترون تتحدث عن أنه يكون للكافرين نصيب وسبيل، فيقول الشيخ:"فدلَّ هذا على أنه أمر شرعي وليس أمرا قدريا".

كيف أمر شرعي؟ سأبين ما يقوله أهل التفسير فيها، وسأتكلم عنها بأوسع من هذا، يقول أهل التفسير:"ومعنى أنها أمر شرعي: أنه لا يجوز أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلًا"، وذلك كقوله - صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه) ، لا يجوز أن يزوج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت