فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 809

"فيه قال سهل بن حنيف يوم صفين أيها الناس اتهموا رأيكم، والله لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أني أستطيع أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته، وإنما قال ذلك لما عرض لهم فيه من الإشكال وإنما نزلت سورة الفتح بعد ما خالطهم الحزن والكآبة لشدة الإشكال عليهم والتباس الأمر ولكنهم سلموا وتركوا رأيهم حتى نزل القرآن فزال الإشكال والالتباس."

وصار مثل ذلك أصلًا لمن بعدهم فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالم اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة واشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وجدت فرقة زائعة، ولا أحد مخالف للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف، وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ، ولا تأدب بآدابهم وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباهم"."

ولو أن ابن حزم أخذ العلم عن طريق الشيوخ لتأدب بآدابهم، هو عالم بلا شك وجارى العلماء، لكن يقال أن لكل فرس كبوة، وهذا الفرس وقع في كبوات، أعظمها وقعته في العلماء، ولو أنه عانى معاناتهم وعرف مدارج كلامهم.

الثالثة: الاقتداء بمن أخذ عنه، والتأدب بأدبه، كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واقتداء التابعين بالصحابة، وهكذا في كل قرن، وبهذا الوصف امتاز مالك عن أضرابه -أعني: بشدة الاتصاف به- وإلا؛ فالجميع ممن يُهتدى به في الدين، كذلك كانوا، ولكن مالكًا اشتهر بالمبالغة في هذا المعنى، فلما ترك هذا الوصف؛ رفعت البدع رؤوسها لأن ترك الاقتداء دليل على أمرٍ حدث عند التارك، أصله اتباع الهوى، ولهذا المعنى تقرير في كتاب الاجتهاد بحول الله تعالى"."

هو يمدح مالك وهو أهل لهذا المدح -رحمه الله-، وأئمتنا كلهم فيهم هذه الصفة؛ مالك والشافعي وأحمد وأبو إسحاق وأبو حنيفة.

"فصل: وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله؛ فلذلك طريقان: أحدهما: المشافهة، وهي أنفع الطريقين وأسلمهما؛ لوجهين:"

الأول: خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت