يقول: أن الأحكام إنما تتعلق بالأفعال أو بالتروك، هل لذاتها؟ يعني لما الشارع منع شرب الخمر؛ هل لذات الخمر؟ قال: للمقاصد؛ لأنها تصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، وتنشر البغضاء والفحشاء، فإذًا الأفعال لا لذاتها ولكن لمقاصدها، وهذه عليها ملاحظات، وهذه النقطة هي مما تأثَّر الشيخ فيه بالأشاعرة الذين يقولون بأن الأشياء واحدة في الذات، -وهذه شرحناها في الجوهر والعرض مررنا عليها ولا نريد أن نقف عندها الآن يكفي أن ننبه عليها-.
"القاعدة أن الأحكام إنما تتعلق بالأفعال أو بالتروك بالمقاصد حسبما يأتي إن شاء الله، وذلك يستلزم رجوع الترك إلى الاختيار كالفعل":
"وذلك يستلزم رجوع الترك إلى الاختيار كالفعل": إذًا الترك له تعلق بالإرادة.
"فإن جاز أن يكون تارك المباح مطيعًا بنفس الترك؛ جاز أن يكون فاعله مطيعًا، وذلك تناقض مُحال."
فإن قيل: هذا كله مُعارَضٌ بأمور:
-الاعتراض الأول: فعل المباح سببٌ في مضارَّ كثيرة
أحدها: أن فعل المباح سببٌ في مضارَّ كثيرة":"
"أن فعل المباح سبب في مضار كثيرة": هل هذا صحيح؟ الجواب: لا، ليس فعل المباح ضارًا، وإنما الإكثار منه والإفساد وأخذه على غير جهة الاعتدال ضار، وهذا موضوع ثانٍ، جائز لك أن تأكل شيئًا، لكن إن أكلت منه بكثرة فهذا شيء نهى الشارع عنه، فالإكثار حكم غير حكم الأصل. فكأنك تقول: الإكثار هو صفة زائدة عن الذات، العنب في أصله جائز، لكن دخل فيه صفة زائدة وهي التخمير فصار خمرًا، كذلك الشيء يكون أصله جائزًا، لكن دخلت فيه صفة زائدة، هذه الصفة غيَّرت حكمه فصار له حكم آخر، وهكذا الشيء مباح في الأصل دخل فيه صفة زائدة (الإكثار) غيّرت حكمه.
ولذلك قوله بأن فعل المباح سبب في مضار كثيرة هذا غير صحيح، وهو سيشرحها عندما يقول بأن هناك ما هو أصل وهناك ما هو خارج عن الأصل، قد يكون الشيء مباحًا في الجزء واجبًا في الكل، وهذه من إبداعات الشاطبي، التفريق بين الجزئي