إذن الطريق الثاني لتحصيل العلم هو قراءة الكتب، وهذه سمة علمائنا، وإذا قرأت تراجم العلماء؛ تجد أن بيوتهم فيها قناطير من الكتب، ولذلك نشأ علم الوراقة في أمتنا، والحق أنه لا توجد أمة من الأمم فيها هذا الكمُّ العظيم من المخطوطات، حتى من الهند والصين التي فيها الملايين واشتهر أهلها بالحكمة أو التراث اليوناني. وقد كانت المخطوطات سمة الأمة (المجتمع) ؛ فلا يخلو بيت من مخطوطة، وإلى وقت قريب والغرب يشتري المخطوطات -أو يسرق المخطوطات- من أمتنا، وإلى هذه اللحظة يسعون إليها، وأمتنا للأسف فقدت قيمة القراءة.
وقصة المكتبة الظاهرية [1] مثال لمعرفة مقدار جهل أمتنا ومعرفة ما كانت عليه وما آلت إليه:
خرج يومًا الشيخ القاسمي ماشيًا خلف المسجد الأموي، فوجد رجلًا معه عربة مليئة بالكتب (المخطوطات) ، فتساءل من هذا العالم النحرير الذي يجمع هذه الكتب؟ لكنها كانت ستستخدم بحرقها في تسخين الماء للحمام! فثارت حمية العلم في نفس هذا العالم، وجمع أعيان دمشق وعلماءها، وصرخ فيهم صرخته ليجمعوا ما بقي من الكتب التي لم تحرق، وبهذا جُمع ما تمكن جمعه!!!
فهذا أمر أمتنا مع الكتب وهذا هو أمر المستشرقين مع الكتب؛ ولهذا تذهب إلى المتحف الوطني الكبير في لندن، تذهب إلى المتاحف الوطنية الكبيرة في باريس، فتجد عشرات إن لم نقل مئات الآلاف من المخطوطات، وكان النازيون من أكثر الناس رغبة وشهوة في جمع الكتب وجمع المقتنيات الأثرية كالصور وغيرها، وكان لهم نهم في هذا؛ يشترون وينهبون ويستولون على كتب الأمة، ولما سقط هتلر وقامت أوروبا الشرقية وأروبا الغربية؛ وجدوا مئات الآلاف من المخطوطات الإسلامية، حتى سمعت مرة أنهم وجدوا (مسند البخاري) الذي يقول عنه ابن حجر:"سمعت به ولم أره"، وكذلك في روسيا وبريطانيا نجد النهم والعناية بالمخطوطات ويعتبرونها ثروة.
ومن أمثلة عناية الغرب بالمخطوطات لمعرفة مجتمع أمتنا أنهم حققوا كثيرا من الكتب؛ ف (طبقات ابن سعد) حققها الغرب، وفينسيكي صاحب كتاب (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) هو يهودي ألماني، وقد قرأ الكتب الستة وأخذها وفرزها حرفًا حرفًا وفهرسها!
(1) هي التي سرقت وسميت بمكتبة الأسد، وتعتبر أكبر مكتبة في بلاد الشام، وقد أراد الخبثاء البعثيون أن يبنوها على البحر في اللاذقية من أجل إتلافها وتدميريها، والذي تدخل لحمايتها هم الغرب -المؤسسات مثل اليونسكو وغيرها-؛ لأن بناء المكاتب في مثل هذا المكان بسبب الرطوبة سيفسد الكتب.