وأنا قرأت في (رحلات حمد الجاسر) أنه رشا موظفًا في مكتبة في ألمانيا الشرقية في برلين قبل سقوطها، ودخل فوجد أن هناك مخطوطة بيعت فقط قبل خمس سنوات من دخوله -وهو رجل معاصر-، محمود شاكر -رحمه الله- لما حقق (طبقات فحول الشعراء) يقول أن الخانجي [1] أحضر له دشتًا كبيرًا فيه مجموعة من الكتب فنظر فيها ورأى (طبقات فحول الشعراء) ، ولما أراد أن يحقق الكتاب تذكر المخطوطة وبحث عنها فلم يجدها، ثم طلب صورها من مكتبات العالم، فجاءته الصورة من إيرلندا!!! بمعني أنها أخذت من مصر في ذلك الوقت وذهبت إلى مكتبات إيرلندا!
هذا لتعرفوا -كما قررناه- أنه لا يوجد أمةٌ لها مثل هذا الإرث العظيم من كلام العلماء، وثانيًا لتعرفوا ما آل إليه أمر كتب العلماء، فلذلك الكتاب هو كما قال أحمد -رحمه الله-: مع المحبرة إلى المقبرة، الكتاب هو رفيق العلماء، وقد كان الخطيب البغدادي يوصف أنه إذا مشى لا يمكن أن تخلو يده من كتاب.
وهذا الذي نسمعه عن علمائنا من نهم بالقراءة نراه في الغرب الآن، وأنا أتكلم عن عموم الشعب، فهم يقرؤون القصص والروايات - ليست أمور مهمة، لكن المهم أنهم يقرؤون-، أما المتخصصون فقراءاتهم راقية جدًا في علومهم.
وأسباب عدم القراءة ذكرها يطول، والحديث عنها هو حديثٌ عن مآسي أمتنا وعن واقعها، وهي تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان وكذلك إلى المال، يعني أن هناك أمورًا اجتماعية وفكرية وتربوية، وكذلك هناك أمور اقتصادية تنفر المرء من الكتاب، ولكننا لا يمكن أن نعيد عقل الأمة إلا بالقراءة، لا بد أن يتعلم المرء أن يقرأ: اقرأ وربك الأكرم، فالعطاء الإلاهي وكرم ربنا يكون بالقراءة، أما التنفير من القراءة، والتنفير من الكتاب، والكلام من مثل:"ورصاصة واحدة أفضل من مائة كتاب"هذه كلمات الجهلة، وكلمات اللصوص، وكلمات قطاع الطريق؛ فالتنفير من فن القراءة هو تنفير من فعل إيماني وصياغة إنسانية، ومن ينفر من القراءة بحجة ضرورة التلقي عن شيخ نجيبه بما قاله الشاطبي، وكل المشايخ الذي ترون أبناء القراءة، ومن اقتصر على الأخذ من شيخه يبقى مقلِّدًا أسيرًا، أو ينعتق، وانعتاقه أن يقرأ.
فالقراءة فنٌّ إيماني، والقراءة حفر في الذات وفي نفس الآخر، وحفر للمعلومة، القراءة هي الإنسان، والإنسان بلا قراءة يفقد إنسانيته؛ لأن الإنسان هو الكلمة: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} . والقراءة تجعل كلامك وفكرك راقيًا، وتجعل رؤيتك للوجود سليمةً.
(1) رجل عامي لكنه يحب العلماء، وهو الذي كان يطبع كتب التراث.