قال:"الطريق الثاني: مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين، وهو أيضا نافع في بابه؛ بشرطين:"
الأول: أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله؛ ما يتم له به النظر في الكتب":"
الشيخ علمنا بأن الكتب لا بد لها من مفاتيح، وأول مفاتيح الكتاب أن تعلم المصطلحات، والشيخ يقول أنه لا بد من الشيوخ لأنه يتكلم عن عصره، حيث يعرفون هذه المصطلحات، وهي غريزة في نفوسهم وتُتلقى في مؤسسة العلم التي يعيشونها، فلم يكتبوا فيها، ولكن صار ما صار، وصار لكل علم مدخل ولكل مذهب مدخل ولكل كتاب مدخل؛ فصار العلماء يصنِّفون في مصطلحات الفنون.
وبعض العلوم أنبه أنه لا يمكن أن تتعلمها بنفسك [1] ، بل لا بد أن تجلس وأن يعلمك إياها رجل وأن يبسط لك ويعطيك ما فيها.
فأول شروط قراءة الكتب أن تتعلم مصطلحاتها، ولكل علم مصطلحاته الخاصة به.
"وذلك يحصل بالطريق الأول، ومن مشافهة العلماء، أو مما هو راجع إليه، وهو معنى قول من قال:"كان العلم في صدور الرجال":"
لأن الكتابة أمر حادث، وقد قال ربنا جل وعلا: {بَلْ هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم} ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ لا يَنْزِعُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنَ النَّاسِ .. ) ، أي لو أراد أن ينزعه لنزعه من الصدور، وكما قال سبحانه: {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} ؛ فمكان العلم هو الصدور، العلم ما في القلب.
"ثم انتقل إلى الكتب، ومفاتحه بأيدي الرجال":
مازالت المعاني غلقة حتى يأتي العالم فيفتحها لك، ولا يمكن للمرء أن يعرف قيمة الكتب حتى يتعلم كيفية قراءتها، وهنا أذكر لكم قصة فيها فائدة مهمة عن كيفية قراءة الكتب:
(1) أنتم تعرفون أن أبو بكر الباقلاني من عظماء عقلاء البشرية، وقد قال:"أعطوني أي علم أنا أقرؤه وأفهمه"، فأحضروا له علم العروض، فقعد شهر وهو يحاول، واعترف أن مثل هذا العلم لا يمكن أن يؤخذ إلا بمدرس أو معلم.