هذا هو الدرس الثالث عشر من دروس شرح كتاب الإمام أبو إسحاق الشاطبي، المعنون بـ (الموافقات) ، أو (عنوان التعريف في أسرار التكليف) ، وكلاهما اسم رائع جميل وله مقصده، كما تكلمنا سابقا، تفضل يا شيخ.
"وقد كان مالك بن أنس يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، ويحكي كراهيته عمن تقدم."
وبيان عدم الاستحسان فيه من أوجه متعددة: منها: أنه شغل عما يعني من أمر التكليف الذي طوقه المكلف بما لا يعني، إذ لا ينبني على ذلك فائدة؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة، أمّا في الآخرة؛ فإنه يسأل عما أمر به أو نهي عنه، وأما في الدنيا؛ فإن علمه بما علم من ذلك لا يزيده في تدبير رزقه ولا ينقصه، وأمّا اللذة الحاصلة منه في الحال؛ فلا تفي مشقة اكتسابها وتعب طلبها بلذة حصولها، وإن فرض أن فيه فائدة في الدنيا؛ فمن شرط كونها فائدة شهادة الشرع لها بذلك، وكم من لذة وفائدة يعدها الإنسان كذلك وليست في أحكام الشرع إلا على الضد؛ كالزنى، وشرب الخمر، وسائر وجوه الفسق، والمعاصي التي يتعلق بها غرض عاجل، فإذا قطع الزمان فيما لا يجني ثمرة في الدارين، مع تعطيل ما يجني الثمرة من فعل ما لا ينبغي""
في الحقيقة، أولًا جزاك الله خيرًا، نقول وبالله التوفيق أن القراءة بهذه الطريقة التي سنشير فيها، ربما ينقطع وقت طويل حتى ننتهي من الكتاب، ولذلك أنا أصر على أن هذه المقدمات لا بُدَّ أن تُقرأ كاملة، لأننا لو أتممناها شرحًا سليمًا وافيًا تامًا، لشكلت هذه المقدمات مع الشرح الذي يُنَوه به في هذه الجلسات، لصار عند طالب العلم الكثير من الخير، والكثير من القواعد التي يحتاج إليها، نعم هذا الكتاب تعرفون أنه ليس على طريقة المتون التي تُختصر، فتقرأ كل كلمة مع دلالتها، وما يمكن التوسع فيها بعد ذلك، فهذا كتاب آخر، له مزاج آخر، له صناعة أخرى في كتب الأصول، ولذلك لا بُدَّ أن نقف عند هذه المقدمات، لا بأس، نشرح هذه المقدمات مع قراءة تامة، ثم إذا جئنا بعد ذلك إلى الأبحاث أو الكتب التي ضمنها الإمام هذا الكتاب، ومع ما تقدم الكلام عليها، وهي الأحكام والمقاصد والأدلة والاجتهاد، فربما نقف فقط عند رؤوس المسائل، واضح الكلام؟ وهذا يحتاج من طالب العلم أن يقرأ بنفسه، فإذا عرض له عارض من عدم فهمٍ، أو من اعتراض، أو ما شابه ذلك بيَّناه.