هذه الكلمة التي قالها الشاطبي من قواعد العلوم، هذه التي قرأها أبو عمر، وهو أن الشغل عما يعني من المكلف، الذي طوقه المكلف بما لا يعني، أي لا يفيد، قال: (دع ما يريبك إلا ما لا يريبك) ، وعلى قاعدة أن الذي ينبغي أن يُتوجه إليه هو ما فيه نفعٌ في الدنيا والآخرة.
هنا كلمة رائعة نريد أن ننبه عليها - نَبّه عليها الشاطبي، وأُنبّه عليها -، وهي أن في مطلق العلم لذة، واضح يا مشايخ؟ وهو يقول بأن هذه اللذة ليست هي التي تحكم على العلوم بالاستحباب والوجوب وغير ذلك. لكن العلوم كلها لها لذة، لماذا؟ لأسباب متعددة، منها أن النفس البشرية مجبولة على التشوف، لماذا لذة؟ لماذا تستلذ النفوس بالعلم؟
أولًا: لأن هذا يوافق فطرة هذه النفس، فالنفس مفطورة على محبة العلوم، هذا واحد.
الشيء الثاني: لأنه في العلم إجابة فطرة المرء بالتملك. المرء يحب التملك، والنفس تعلم أن أعظم ما يملكه المرء في هذه الدنيا هو العلم، فإذا ملكته ارتاحت.
ثالثًا: لأن - وهذا كثير -، الثالثة هي أغلب ما يُبحث فيه، وهو أن كثيرًا من العلوم، بل إن أغلب العلوم فيها جُموح، فيها شِماس، فإذا ملكها المرء شعر بأنه سيطر على هذا الشُّموس وهذه الجماح، واضح يا مشايخ؟ تقدم الكلام عن هذه النقطة، العلوم فيها شماس، تأبى أن تأتي إليك وأنت نائم، ولا تذل نفسها، هي كالعروس لا يمكن أن تأتي صاحبها إلا أن يبذل لها الثمين، ويبذل لها الكثير، فإذا بذل لها، ذلت له. فالمرء عندما يملك هذه الشموس وهذا الجامح يشعر بالفرح، وهذه لذة عظيمة، ولذلك أيها الإخوة، إن كثيرًا من العلوم التي يحبها المرء، إنما أحبها لأنها صعُبت عليه في الابتداء، وهذا الذي تكلم عنه الشاطبي في المقدمة، لا تنسوه، المرء عندما يسمع شيئا لا يفهمه ويستعصي عليه إدراك مراده، فيبذل له، ويبذل، ويبذل، ويصبح، وإذا كانت له نفس أبية، وصاحبة همة عالية - وشرطُ هذه النفس - لطالب العلم - أن تكون صاحبة همة عالية -، فإذا كانت كذلك ركضت إلى العلم، وهي تركض إليه لتُذلله، بعد أن تذلله تشعر بالفرح ويصبح هناك لذة، اللذة لأنها أتته على استعصاء، كما قلنا على جموح وشماس، وهذا مما يصنع لذة في العلم، وهذا هو بداية العلم، العلم يبدأ بلذة. وقد تقدم الكلام عن كلمة أحمد -رحمه الله-: