فهرس الكتاب

الصفحة 739 من 809

الواجبات، فإذًا الشغل عن الواجب وسيلة لترك الواجب، إذًا هو حرام، هكذا يقول. ويستدل على ذلك بآيات وأحاديث ومنها أن الشارع ذم من أكثر من الطيبات: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} ، وهل هذا إذهاب؟ سيأتي إليها. فيقول: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} ، وهذا ذم لمن كان يريدها، وهي جائز طلبها على جهة الإباحة.

لكن نقف عند حديث: (إن مما يُنبت الربيع ما يقتل حَبَطًا أو يُلِمّ) ؛ الحَبَط هو مرض يصيب الدابة بأكلها نوعًا من أنواع الطعام، فهذا حديث عظيم يبين العلاقة بين الأصل في الإطلاق وبين دخوله للدنيا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذمَّ الدنيا، وقال: (إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض) ، فقال رجل: (أيأتي الخير بالشر؟) ، هذا رجل عظيم، هذا رجل ذكي، هذا السائل عجيب والله! قال: (أيأتي الخير بالشر؟) ، يعني هذه الدنيا مباحة، وهذا الرجل قرأ في القرآن أن الدنيا خير، سخَّرها الله لنا، وهذا الطعام الدنيوي وزهرة الدنيا خير لنا، فكيف يأتي بالشر؟ قال:"أيأتي الخير بالشر؟"، النبي سكت سكوتًا طويلًا، وهذا الحديث وقف على شطآنه العلماء، وأفضل ما قال فيه بعضهم:"هذا حديث إذا جُزِّءَ لم يُفهم"؛ إذا جُزِّئت أمثاله لم تُفهم، ولكن ينبغي أن يُنظر إليه كُلًّا كاملًا، وهذا هو الصواب، هذا أفضل ما قيل فيه.

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - وصف له كيفية دخول الشر على الخير، فقال - صلى الله عليه وسلم: (إن الخير لا يأتي إلا بالخير) ، هذه قاعدة، طيب هل يأتي الشر بالخير؟ نعم، مرات يأتي الشر بالخير، مثل: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ، الأعداء لما يهاجموننا هذا شر ولكن يأتي بخير، حديث الإفك شر لكن صنع خيرًا عظيمًا، وهكذا.

فالشر يأتي بالخير، ليس دائمًا ولكنه يأتي بالخير، لا يُخاف من الشر، ولكن يُخاف من ترك الخير، الذي نخاف منه هو ترك الخير، أما الشر فهذا قدر موجود، لا يخلو منه أحد. الذي تقترفه أنت هو شر، لكن هو سبب لدخولك الجنة باستغفارك والتوبة، بل خُلقت من أجله. لكن الرجل لما سأله:"أيأتي الخير بالشر؟"؛ قال: (إن الخير لا يأتي إلا بالخير) ، وهذا لفظ، ولفظ آخر: (لا يأتي الخير بالشر) ، فذكر له كيفية دخول الشر على الخير، ذلك لأن الدنيا ليس فيها مطلق، الشر قاعد في مكان والخير قاعد في مكان وبينهما فجوة كبيرة تستطيع أن تختار.

ماذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: (وبينهما أمور مشتبهات) ، قلنا إن الشرع والقدر قاعدتهما واحدة، فما دام أن الشارع يقول أن هناك أمورًا متشابهات شرعية؛ إذًا هناك أمور متشابهات قدرية، هذا مما لا شك فيه، ويجب أن يكون مستقرًا في أذهاننا، وما يوجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت