4.النقطة الرابعة: أن هذا العلم دين، ولما نقول إن هذا العلم دين يعني أن المرء مسؤول عن كل كلمة، وهذا رأيناه؛ فنحن قرأنا المقدمات كلها، ولم نجد كلمة زائدة ولا ضرورة لها، وهذا ميزان في الشعر أيضا: يقول نقاد الشعر أن من طرق تميز الشعر القوي عن الشعر الضعيف، أنه لو وجدت فيه كلمة يمكن أن تزيلها فلا يتأثر المعنى ولا يتغير، فتكون هذه كلمة زائدة، وكلمة فضولية داخلة؛ فالشاعر ضعيف وقد وضعها لضعفه ولأنه يريد أن يجبر بها كسرًا، فوضع حجرًا غريبًا في البناء. هذه طبقوها على ما رأينا: هل رأيتم خلال قراءتنا للشيخ كلمة نستطيع أن نقول لها: اذهبي فلا قيمة لكِ؟ لم نجد، وجدنا بناءً، وهو ينثر كلامًا، لكننا وجدنا رجلًا صادقًا يمارس دينًا، لا يتكلم كلمة إلا وهي حاملة لمعاني العلم التي يحتاجها القارئ، وهذا هو مهمة العالم الذي يتعبد الله بعلمه، لا يبحث عن كلمات ليملأ الفراغ، الشيخ هنا لا يستخدم العبارات الفخمة التي هي كالطبل ومع ذلك فارغة، لها أصوات عظيمة ولا شيء فيها، بل رأينا عندما ندقق في كل كلمة ونتذوقها؛ نجد لها معاني علمية عظيمة، معاني نفسية مهمة، ومعاني عقلية ضرورية لفهم الفكرة، فهذا مما نستفيده من هذا الكتاب.
أرجو من الله -عز وجل- أن نكون قد وقفنا قليلًا على بعض درره، ولكننا نجزم يقينًا بلا تردد ولا زمزمة أنه قد فاتنا الكثير من خير هذا الإمام فيما قال، لكن يكفي أننا وقفنا على كلامه وحصل لنا التعبد بقراءته، وقطعًا أنه حصل لنا الكثير من النظر والفهم ومن تنظيف العقل ومن إعادة صياغة عقولنا صياغةً صحيحة في قراءتنا لهذا الكتاب.
أعيد وأكرر أن هناك مقاصد فرعية لقراءة كتاب (الموافقات) تكلمنا عنها في المقدمة، وتكلمنا عن المقاصد الأصلية، وقلنا أن المقصدين الأصليين لقراءة كتاب (الموافقات) هما:
1.أولًا أن نتعلم كيفية قراءة كتب سلفنا (التراث) ، وهذا مهم، لأننا إن لم نجد ونتعلم المفاتيح لقراءة كتب التراث؛ بُني بيننا وبينها سدود من الشر والوهم والشيطنة، حتى أننا من أبعد الناس عنها، لذلك أردنا أن نتعلم كيفية قراءتها لنعرف المفاتيح، حتى تصبح القراءة سهلة لذيذة، سهلة جميلة، سهلة ممتعة.
2.المقصد الثاني هو إعادة صياغة العقل، خلال تعليمنا لكيفية اختراق كتب التراث الجميلة السهلة نريد أن نصيغ العقل صياغة جديدة.