فهرس الكتاب

الصفحة 647 من 809

اعلموا -أيها الإخوة الأحبة- بأن أعظم فتنة للعابدين هي فتنة القدر وليست فتنة الشرع، لا يُعرف عن العابدين وعن المتقين وعن الصادقين وعن الصديقين أبدًا فتنة الشرع، لا يعرف عالم أنه نظر إلى الشرع فجهل حكمته أو شكك فيها، وهذه لا تعرض للعامي فضلا عن العالم، ففتنة العابد لا تكون أبدًا في التشريع، إنما فتنة العابد والصديق تكون في القدر، حتى أبو بكر (الصديق الأكبر) وعمر (صديق وشهيد) ، وأعظم فتنة وقعت لهؤلاء العباد في تاريخ البشرية هي فتنة القدر، وذلك بجهل المرء بحكمة جريان السنن، والناس يظنون أن الأمر سهل، وعدم إدراك حكمة القدر مدخل إلى تغيير الشريعة:

فما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (صلح الحديبية) شرع، وعمر جهل القدر فاعترض على الشرع، والمقصود بالشرع هنا ليس الأحكام، بل ما قام به رسول الله من كتابة الصلح، ولذلك فتنة القدر هذه تحتاج إلى علم الملازمة.

ولا يوجد أحد في الوجود إلا ويصاب بهذه الفتنة، قد وقعت مع الصحابة وهم أعظم الناس دينًا وفهمًا عن الله، ومع ذلك هذه المرتبة يجهلونها، لكن يسلمون لها، ولم يجد النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمةً يقطع بها دابر الشيطان من نفس الفاروق إلا قوله: (إني رسول الله ولن يضيعني) ! ما لها تفسير، بعد أن تفتح؛ الكل يصبح عالِمًا بها، بعد رؤية المآلات الكل يتكلم، ولذلك المطلوب منك هو أن ترى السوامح، وأن تقرأ الواقع، وأن تعرف بحكمتك وخبرتك عواقب الأمور.

فأصحاب الخيول في المسافات الطويلة مستحيل أن يسمحوا للخيل المصابة بداء ولو بسيط جدًا أن تخرج، لأنه يعرف أنها في النهاية ستنكسر، كذلك لاعبي كرة القدم؛ تتعجب أنه من يوجد فيه ضعف ولو بسيط لا يلعب، لأنهم يعرفون أنه في النهاية سيقع، وكثير من الناس يرى الهمم العظيمة داخل جماعة، وينظر للإقبالات القادمة العظيمة، لكن لا ينظر إلى الفيروسات والأمراض في داخلها، ويظن النصر قد قدم وما بقي إلا أن نعلن أكاليله!! وينسى كيف أن هذا المرض يهلك في آخر الطريق، ولا يوصل إلى المراد.

ولذلك لا بد أن تكون لديك أولًا الثقة الكاملة بالشرع على طريقة صحيحة، لأنه إذا وثقت بالشريعة انكشف لك فهم القدر، لأنه حينها تعلم أن ما يحبه الله فهو القدر الذي رُسم من أجله ما يترتب عليه من الخير، والقرآن يكشف لنا بأن عواقب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت