بعد ذلك تكلم عن العلم: ما هو العلم ومراتبه وأقسامه، وأنه ينبغي للمرء أن ينشغل بمقدمات العلم، وأن ينشغل بأصوله، وأن ينشغل بواجباته وأركانه وشروطه لأنها هي الأصول، بعد ذلك يدخل في ملح العلم، وهناك أمور ليست من العلم في شيء وإن كانت تدخل في أبواب المعرفة العقلية.
ثم بعد ذلك تكلم الشيخ -رحمه الله- عن آفات العلم، وهناك قاعدة مهمة وهي أنه: ما جعل الله شيئًا في هذا الوجود إلا وله آفة؛ فالزهد له آفات، العبادة لها آفات، العلم له آفات، وطبعا الكونيات كلها لها آفات؛ ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يتعلم تلبيس إبليس عليه في العلم، كما ينبغي أن يتعلم العابد تلبيس إبليس عليه في العبادة، كما أن الزاهد والمتصدق عليه أن يتعلم تلبيس إبليس، وهذا كله داخل في هذه الآية: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} ، فلا بد أن تتعلم الآفات.
والشيخ عندما تكلم عن أساليب تلقي العلم ووسائل تحصيله، وعن شخصية العالم مع العلم؛ تكلم عن آفاته، ونبه الشيخ هنا إلى أمر هام: كأنه يريد أن يقول أنه عندما يكون الشيء أصليا؛ فهو يوصل إلى المراد مع خصيصتين:
1.الخصيصة الأولى: السهولة لأنه طريق مستقيم.
2.والخصيصة الثانية: البراءة من الآفات.
كيف هذا؟ لما تكلم الشيخ عن طرق الوصول إلى العلم؛ تكلم عن طريق الشيوخ، وقال أن العلم نزل في الكتب وبقيت مفاتحه في أيدي الرجال، وقال بأنه يمكن للعلم أن يؤخذ عن طريقة الكتب إذا عُدم الشيوخ، وتكلم عن شروط هذه الطريقة، وشروطها تدل على أنها شاقة، فما دام أن هذه الطريقة هي طريق فرعي؛ فهي طريق شاقة، والطريق الأسهل هو طريق الشيوخ، ولذلك قلت تفسيرا لكلامه: إن الطريق الصحيح الأصلي هو الطريق الذي له خصيصتان في الوصول إلى المراد: الخصيصة الأولى: السهولة، قصر الطريق؛ تجلس أمام شيخ يفسر لك وترتاح، وساعة مع الشيخ ربما تحل لك إشكال شهر أو شهرين لو قرأت من كتاب، الذي إن أردت أن تقرأ منه تتعب. الثانية: قلة وجود الآفات، فالآفات قليلة في الأصلي.
وهذه قاعدة تطبق على كل شيء في الوجود، ليس فقط في العلم، فدائمًا الطريق الفرعي طريق قد نضطر إليه لكنه مؤلم، ولا بد له من شروط، كلما ابتعدت الوسيلة عن أصالتها كلما اشتدت الشروط عليها، وكلما ابتعدت الوسيلة عن أصالتها كلما زادت المشقة فيها وكانت عرضة للآفات، ولذلك تكلم -رحمه الله- عن العلم وعن بنائه، وتكلم عن وسيلته إلى آخره.