وهذا العنوان هو عنوان مهم وإن كان ليس هو المقصود لطرح الشيخ، ولكننا سنستفيده منه، وهو التفريق بين الحكم القدري والحكم الشرعي، وسنتكلم عنه إن شاء الله بما ينفعنا في تفسير مظاهر الحياة وأعمالها وأعمال البشر.
الشيخ يتكلم هنا عن قضية الحكم الشرعي، وأنا أريد فقط أن أنبه إلى قاعدة مهمة، والشيخ يقررها في كتاب (الاعتصام) : أن الخير لا يوجد في هذه الدنيا على جهة الإطلاق، ولا بد للوصول إلى الخير أن يمتزج فيه بعض الشر، والعبرة بالأغلب؛ فما منْ أمر رباني أمر الله -عز وجل- به عبيده إلا وفيه بعض الضرر على الإنسان، لكن هذا الضرر ملغي مقابل ما يتحقق من المصالح، وكذلك الشارع نهى عن أمور يحصل بها المنفعة، ولكن هذه المنفعة ملغاة مقابل المنهي عنه وضرره الكبير. ولذلك هذا الشرع هو شرع التوازنات، والتوازنات لم تُترك لرأي الناس، وهذه القضية هي التي يغفل عنها أغلب من يتحدث عن قضية التوازنات والمصالح لأنهم أخرجوا موضوع التوازنات من عالم الشريعة إلى عالم الرأي والذاتية والشخصانية والمصلحة الذاتية دون النظر إلى مصالح الشرع، ولذلك لما يتكلمون عن مصلحة؛ لا ينظرون إليها باعتبار الشارع، ولكن باعتبارهم الشخصي والذاتي.
ومن أساس التفريق بين الحكم الشرعي والحكم القدري:
-أن الحكم الشرعي منوط بالإرادة، ولذلك قد يتخلف: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} ، {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} . فالحكم الشرعي ميخاطب إرادة الإنسان لذا قد يتخلف.
-أما الحكم القدري فلا يتخلف.
فإذا نظرنا إلى أمر في الكتاب والسنة وجدنا أنه في واقع الأمر قد يتخلف؛ فيجب أن نحمله على موارد الشرع، والشيخ سيضرب مثالًا -في الوعد- ولن أستبقه.
وهذا الموطن من كلام الشيخ فتح أبوابًا عظيمة في فهم الوعود الإلهية في القرآن، وأنا أطلقت عدة مرات -ويجب أن تُكتب وتُحفظ- بأن الوعود الإلهية في القرآن والسنة هي أوامر لتحقيق أسبابها وشروطها.
وفي تفسير سورة الإسراء استقرأتُ كلمة"عسى"التي قال عنها ابن عباس أنها موجِبة -أي يقينية وواجبة الوقوع: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} ، {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ} ، وهكذا.