بيوت الله -المسجد- كان أقرب للتقوى"، المساجد القديمة أقرب للتقوى، ولذلك قال: البيت العتيق. ولذلك قال وأعرقهم أي أصلهم؛ لأن أصل الشيء هو عرقه."
"وَأَعْرَقُهُمْ فِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَسَلْمَانُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَمَّارٌ، وَغَيْرُهُمْ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-. وَانْظُرْ إِلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي كِتَابِ"الْجِهَادِ"، وَكَذَلِكَ الدَّاوُدِيُّ فِي كِتَابِ"الْأَمْوَالِ"؛ فَفِيهِ الشِّفَاءُ، وَمَحْصُولُهُ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْمُبَاحَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ، وَلَوْ كَانَ تَرْكُ الْمُبَاحِ غَيْرَ طَاعَةٍ؛ لَمَا فَعَلُوهُ."
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ أَوَّلًا حِكَايَاتُ أَحْوَالٍ":"
ما معنى حكايات أحوال؟ هي معانٍ تستقر في قلوب أصحابها لا يُقتدى بها إلا على معنى استقرارها. يعني أحوال خاصة لهؤلاء الرجال لمعانٍ طرأت في أذهانهم، وليس لأن الأصل ما فعلوه.
هذه ينبغي أن نفهمها؛ يأتي الرجل فيزرع وتدًا عند خيمة، ثم يأتي الثاني فيزيله، الأول مأجور والثاني مأجور، فالأول وضعه حتى يأتي يربط أحد خيله فيها، والثاني نزعه لئلا يضرب أرجل الناس. فهذا الفعل لا يُقتدى به إلا على المعنى الذي وقع في قلب فاعله. نفس الشيء هنا: قال الشيخ الشاطبي أن الصحابة المذكورين غلب على ذهنهم شيء حين الفعل -التورع عن المباحات-، وهذا الشيء يجب أن يُحترم، فلا ينبغي أن تطبقه على أن هذا الفعل مشروع، لأن الشرع لهذا الفعل بالنسبة لهؤلاء الأئمة جاء للمعاني الخاصة التي وقعت في قلوبهم.
وحكايات الأحوال لا يُقتدى بها إلا بشرط وقوع المعاني في قلوب أصحابها.
"فَالِاحْتِجَاجُ بِمُجَرَّدِهَا -أي الفعل- مِنْ غير نظر فِيهَا -على ما تقدَّم- لَا يُجْدِي إِذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُمْ لِمَا تَرَكُوهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُبَاحًا؛ لِإِمْكَانِ تَرْكِهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ بِمُجَرَّدِهَا غَيْرُ مُفِيدَةٍ فِي الِاحْتِجَاجِ":