إذًا لم يتركوه من جهة كونه مباحًا لأن المباح عندهم أميل للترك، ليس لهذا المعنى. مثلما قلنا أن عمر -رضي الله عنه- ترك أكل اللحم في عام المجاعة لمعنًى، ولم تركه متقربًا لله بترك المباح، كذلك لما وصل وكان على بعيره ثم نزل فأركبوه برذونًا كبيرًا -يعني حمارًا-، قال لهم:"شيء وجدته في نفسي"، تركه لهذا المعنى، لحال خاص به. فمن طول عمره يركب على حمار لا يجد هذا المعنى، وليس مذمومًا في حقه.
"وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِمِثْلِهَا فِي النَّقِيضِ."
فَقَدْ كَانَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ، وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ، وَيَخْتَصُّ بِالذِّرَاعِ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، وَكَانَ يُسْتَعْذَبُ له الماء، ويُنقع له الزَّبيب والتَّمر، ويَتطيَّب بالمسك، وَيُحِبُّ النِّسَاءَ.
وَأَيْضًا؛ فَقَدْ جَاءَ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ، بِحَيْثُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرْكَ عِنْدَهُمْ كَانَ غَيْرَ مَطْلُوبٍ، وَالْقَطْعُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ عِنْدَهُمْ شَرْعًا؛ لَبَادَرُوا إِلَيْهِ مُبَادَرَتَهُمْ لِكُلِّ نَافِلَةٍ وَبِرٍّ وَنِيلِ مَنْزِلَةٍ وَدَرَجَةٍ؛ إِذْ لَمْ يُبَادِرْ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى نَوَافِلِ الْخَيْرَاتِ مُبَادَرَتَهُمْ، وَلَا شَارَكَ أَحَدٌ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ -مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ أَوْ بَعُدَ- فِي رِفْدِهِ -أي عطائه- وَمَالِهِ مُشَارَكَتَهُمْ، يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُونُوا تَارِكِينَ لِلْمُبَاحَاتِ أَصْلًا، وَلَوْ كَانَ مَطْلُوبًا؛ لَعَلِمُوهُ قَطْعًا، وَلَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، بَلْ قَدْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنَ الْمُبَاحَاتِ؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأَدِلَّةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ كَثِيرَةٌ، وَانْظُرْ فِي بَابِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى فِي"مقدمات ابن رشد":
(مقدمات ابن رشد) هذه من مقدمات الجدّ، وهي مطبوعة، وله (البيان والتحصيل) ، وهو فقيه مالكي -على خلاف حفيده- ولم يكن له مشاركة في علوم الكلام والفلسفة وغيرها.
"وَالثَّالِثُ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمْ تَرَكُوا مِنْهُ شَيْئًا طَلَبًا لِلثَّوَابِ عَلَى تَرْكِهِ؛ فَذَلِكَ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ فَقَطُّ لِلْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، بَلْ لِأُمُورٍ خَارِجَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ مَطْلُوبِ التَّرْكِ:"
-مِنْهَا: أَنَّهُمْ تَرَكُوهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَانِعٌ مِنْ عِبَادَاتٍ، وَحَائِلٌ دُونَ خَيْرَاتٍ، فَيُتْرَكُ لِيُمْكِنَ الْإِتْيَانُ بِمَا يُثَابُ عَلَيْهِ، مِنْ بَابِ التَّوَصُّلِ إِلَى مَا هُوَ مَطْلُوبٌ، كَمَا كَانَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- يَأْتِيهَا الْمَالُ الْعَظِيمُ الَّذِي يُمْكِنُهَا بِهِ التَّوَسُّعُ فِي الْمُبَاحِ،