فهرس الكتاب

الصفحة 672 من 809

وهذه مفهومة، ليس مجرد فعل الإيمان في بعض صوره كافيًا، بل لا بد من تحقق الشرط الكامل، لذلك يقول شيخ الإسلام:"العمل قدرة تامة"، ليس أي قدرة. وضربنا مثالًا سابقًا في العسل، قال - صلى الله عليه وسلم: (اسقيه عسلًا) [1] ؛ مجرد العسل لا يحقق الشفاء، بل لا بد من العسل الكافي.

وهذه قضايا حياتية، نعرفها في حياتنا، لكن لما نأتي للشرع نلغيها على قاعدة"اخلع عقلك عند حذائك واتبعني".

ما المراد إذن بتخلف الحكم الشرعي؟

الحكم الشرعي يتخلف لأنه مربوط بالأجر والوزر فيمكن أن يتخلف، مثال:

-من شرب خمرا ظانًّا أنه ماء؛ هل عليه إثم؟ لا، لكنه يسكر. فالحكم القدري لا يتخلف، والحكم الشرعي يتخلف.

-إذا لم يوجد ماء نتيمم، فالتيمم حكم شرعي، لكن بغير الماء؛ هل يمكن أن تروى؟ لا، لا بد من ماء حتى تروى.

-إذا لم يوجد السلاح؛ هل ننتصر؟ لا.

فالحكم القدري يجري ولا يتخلف، ولذلك فهو أكثر صرامةً؛ فالحكم الشرعي مبني على الرحمة واليسر: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} ، والحكم القدري مبني على العدل: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} .

نرجع لمراد الشيخ:

يقول الشيخ هنا أن قواعد الشريعة تجري مجرى العادات، وهذه شرحت بعضها فيما تقدم، ومعناها أنه عليك ألا تزيد عن مجال العادات لتحقيق الأمر الشرعي، وهذه قاعدة لا يمكن للمرء أن يستغني عنها إذا كان مفتيًا: لا تكلف أحدًا في الفتوى -أي في الحكم الشرعي- فوق مجرى العادات.

(1) حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (اسقه عسلا) ؛ فسقاه ثم جاءه فقال: إني سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقا، فقال له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال: (اسقه عسلا) ، فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (صدق الله وكذب بطن أخيك) ، فسقاه فبرأ، وحدثنيه عمرو بن زرارة أخبرنا عبد الوهاب يعني ابن عطاء عن سعيد عن قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أخي عرب بطنه، فقال له: (اسقه عسلا) بمعنى حديث شعبة. [صحيح مسلم، كتاب السلام، باب التداوي بسقي العسل، حديث 2217]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت