فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 809

في الخندق -فقط- قال كلمته العظيمة: (لا تتمنوا لقاء العدو) [1] ، بالرغم من أن الإسلام يأمر بقتال العدو، لكن قالهم هذه المرة قال: لا تتمنوا لقاء العدو، اجلسوا بالمدينة وحافظوا على وجودكم فقط، كذلك يقول الله -عز وجل-: {قل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} ، سماهم أولي بأس! وهذه قال علماؤنا أنها نزلت في المرتدين في زمن أبي بكر لتكون محنة للمنافقين في قتالهم، يعني هي خبر غيبي، ويقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} ماذا؟ {فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} ، فواحد يتصور أن كل قتال مع الكفار أول ما يرونك يقولون: ما شاء الله، لِحَاهم ظاهر أنها قوية!! على قاعدة"لولوا الأدبار"، فهذه قاعدة غير صحيحة. كذلك قوله تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ} ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - اتخذ قرية محصنة في المدينة في غزوة الأحزاب، هذا كله ليعلمكم أنه يجب أن تُقرأ أخبار والوعود قراءةً سننية، ويعلمنا أن هذا كله حق، كل ما قاله القرآن حق، كل ما فعله رسول الله حق، لكن يجب أن تقرأه قراءة سننية.

إياكم أن تظنوا أن بدر أُلغيت فيها السنن، بعض الناس يظنون أن بدر تُقرأ قراءةً غيبية، هذا غير صحيح، بدر قراءة سننية، أحد قراءة سننية، الخندق قراءة سننية، صلح الحديبية قراءة سننية، حتى الكرامة، حتى المعجزة سننية، وهذه لها شرحها ومكانها. فإذا قرأت القرآن والوعود؛ اقرأها قراءة سننية حينئذ تعرف ما هو المطلوب منك.

ونحن تعلمنا من الشيخ أبي إسحاق الشاطبي أن هناك مقاصد أصلية وهناك مقاصد تبعية، فتحقيق النصر؛ ما هو الفعل الأصلي له؟ هو الجهاد، ما هو التبعي؟ الدعاء والاستغاثة والثقة بالله إلى آخره، وهي أسباب حقيقية وليست أسباب غيبية غير مفهومة، وأعداؤنا يدفعون الملايين لتحقيق بعضها؛ يعطونهم حشيش ليقبلوا على الموت بطريقة غريبة، يعطونهم مخدرات، يعطونهم اليوم ما يسمى بحبوب الشجاعة تلغي للإنسان نظرة إلى واقعه، أما نحن فما عندنا حبوب الشجاعة، نموت لأن الإسلام جاءهم بقوم يحبون الموت كما يحبون هم الخمر أو الحياة.

إذن الشرط الأول لتوافق الأمر الشرعي مع القدري كان: ارتباط الفعل الإيماني بالوعد الشرعي بطريقة سننية، هذه انتهينا منها.

الشرط الثاني: لا بد من كفاية الفعل:

(1) حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عاصم بن يوسف اليربوعي حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن موسى بن عقبة قال حدثني سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله كنت كاتبا له قال كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى حين خرج إلى الحرورية فقرأته فإذا فيه إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس ثم قام في الناس فقال: (أيها الناس، لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) ، ثم قال: (اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم) . [صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو، حديث 2861]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت