فهرس الكتاب

الصفحة 670 من 809

فحين يقول الله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} ؛ الناس لا يفهمون الصبر إلا على معنى واحد، وهو صبر البهائم فقط -كما سماه ابن القيم-، والصبر السنني هو إتيان الفعل والصبر عليه، عدم الشكوى.

وإذا سأل سائل: كيف يرتب القرآن النصر على الإيمان؟ نقول له: صحيح، ولكن كما شرحنا الصبر نشرح الإيمان، الصبر هو إتيان الفعل والصبر عليه، والإيمان هو إتيان الفعل الملائم للوعد. فالإيمان المقصود في قوله -سبحانه وتعالى-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} هو القيام بفعل الإيمان الملائم للتمكين، ولما قال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} ؛ فكل عمل لا بد أن تستعين فيه بالصبر والصلاة:

-فمن حلت به مصيبة بأن مات أهله في حادث مثلًا؛ يستعين بالصبر وعدم الشكوى والصلاة.

-ومن أصابته فاقة؛ يقضي عليها بالصبر واليقين، لكن ما هو الصبر هنا؟ هو أن يسعى في سبل الرزق والصلاة، فيستعين بالصلاة ويستعين بسبب دفع الفاقة.

-كذلك في قضية الإيمان، لما قال الله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} ؛ لا بد من أن يأتي الفعل الإيماني الملائم للوعد، الشرط الملائم.

وبعض الناس يخلعون عقولهم عند أحذيتهم عند الدخول عند الشيوخ، على قاعدة الصوفية:"اخلع عقلك واتبعني"، فيعتبرون كلامهم كلامًا إيمانيا رائعا، وأنه لن يأتي النصر إلا بقيام الليل وذكر الله، فيخرجون من عندهم وفي ذهنهم عالم من الدخان الفكري ليلغوا السنن! وهذا ليس إلغاءً لعالم الغيب، فعالم الغيب عالمٌ سنني؛ الملائكة سنة قدرية موجودة، الجن سنة قدرية موجودة، التأييد الإلهي سنة موجودة، {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} سنة، كلها لها أسبابها.

ولا بأس أن أقف هنا للتنبيه على بعض صور الجهل في تفسير القرآن؛ وهو تعميم الآيات، والإمام الشافعي تكلم عن التخصيص بالسبب:

بعض الشيوخ حين يصعد المنبر، ويذكر الآية سورة الفتح {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ} ، وقوله سبحانه في سورة المائدة {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} ؛ هو يتصور أن كل المعارك تجري هكذا: فقط {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} وتاتي الغلبة، يتصور كل قتال سيولون فيه الأدبار، وهم لم يولوا الأدبار في أحد، ولا ولَّوا الأدبار في الخندق، والنبي - صلى الله عليه وسلم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت