فهرس الكتاب

الصفحة 669 من 809

ما الذي يحتاجه المقاتل؟ يحتاج إلى الصبر، يحتاج إلى الثقة بالله، يحتاج إلى البناء النفسي، فعندنا بناء الارتباط بالله ومحبة الآخرة من العوامل مساعدة على تحقيق النصر، وحتى المقاتلين في الغرب يبنونهم بناء نفسيًا وطنيًا حتى يشجعوهم.

والله -عز وجل- لما وضع الأسباب الشرعية لتحقيق الوعود القدرية؛ وضعها وشرعها لأنها في الأصل أسباب قدرية؛ فلم يضع ربنا -سبحانه وتعالى- أمرًا شرعيًا لتحقيق وعدٍ قدري إلا وهو في عالم الإيجاد أصلٌ وموجود:

-فإما أن نعلمه من جهة العادة والملاحظات؛ مثل لما يقول الله -عز وجل- عن العسل: {فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ} ؛ هذه آية شرعية مبنية على الخلق القدري الأول: الله خلق العسل فيه شفاء للناس فأعلمنا به شرعًا، ولما قال لنا -سبحانه وتعالى-: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم} ؛ فالقتال هو الذي يحقق عزة أهل الإيمان بحسب الوضع القدري؛ فجاء الشرع به.

-وإما أن يكشفه الشرع لنا ونعلمه من جهة الغيب والوحي، ولكنه في الأصل من الأمور القدرية حتى وإن لم ندركه من طريق الملاحظة.

وشيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- يقول ما معناه أن الله -عز وجل- لا يحدث شيئًا في الوجود لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بسبب، وهذا السبب في الأصل قدري، فإما أن نعرفه من جهة الملاحظة وإما أن نعرفه من جهة الشرع.

والشيخ الشاطبي قال كلمة رائعة ذكرناها في الدرس الأول:"وهذا معلوم من جهة الخبر والمعاينة"، فلا بد من الخبر والمعاينة، فلما يأتي واحد ويرتب نتيجة على أمرٍ؛ اسأله عن الدليل، والدليل يجب أن يكون متوافقًا مع السنة القدرية، ويجب أن يكون مفهوما في عالم البشر، وهذا هو معنى ارتباط الوعد سننيًّا مع الأمر الشرعي. فالذي يقول لك أن تجلس في بيتك للذكر وسينتصر الإسلام كلامه وهم، الدعاء مهم، والثقة بالله مطلوبة، لكنه -كما ذكرنا في درس سابق- حتى في عالم المعجزات لا بد من وجود الأصل، ليس لعجز القدرة لكن لجريان السنة.

وأكبر الجهل أن يتعامل المرء مع القدرة، بل الصحيح التعامل مع السنة، والله -عز وجل- أجرى هذه الدنيا بأسباب كما قال شيخ الإسلام، والوجود في الدنيا والآخرة مربوط بعالم السنن. وابن القيم في كتابه (الحكمة والتعليل) يأتي إليها في آية: {إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} ويقول أن من معانيها أنه سبحانه يقول الحق، ومن معانيها أنه لا يجري شيء إلا لحكمة وعلة، ومعنى أنه لا يجري شيء إلا لحكمة وعلة أنه لا يجري إلا بسبب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت