ومن فقه أئمتنا في هذا المعنى قول الشافعي بجواز التيمم إذا بيع الماء في الطرق فوق سعر العادة (سعر المثل) ، لماذا؟ على هذه قاعدة أن الشريعة تجري مجرى العادات، وهناك من يشقون على الناس بتكليفهم فوق مجرى العادات في تحصيل الأمور. مثلا:
-من قام الصبح وما عنده ماء؛ ما مجرى العادات؟ هل طاب الماء في الآبار أو طلب الماء من الجيران؛ فلا تكلف الناس فوق مجرى العادة لتحصيل الماء، لا تكلفهم.
-وقعت فأرة في بئر؛ ما مجرى عادات الناس؟ يأتي فقيه يقول: أفرغ البئر كله واغسله! الناس غير متعودين على هذا.
ولذلك تستطيع أن تميز بين فقيه يريد أن يشق على الناس، وفقيه يريد أن يسقط مجرى العادات لتحقيق الحكم الشرعي، فالناس بين مفرط ومفرط، والصواب هو العدل، هو أن الشريعة قد جرت مجرى العادة لتحقيق الأمر، وقد سبق كلام الشيخ أبي إسحاق أن الشريعة تنزل منزلة العموم، بمعنى أن أوامرها مستطاعة للضعف والقوي والمتوسط.
إذًا أهم نقطة في قضية التفريق بين الشرعي والقدري أن القدري لا يتخلف، والشرعي يتخلف من جهة الوجود بحسب الوسع والإرادة إلى آخره، وشرحنا أن تخلف الحكم الشرعي يكون إما بعدم وجود القدرة، وإما بعدم وجود الإرادة (العجز والكسل) ، لكن لما كان الأمر القدري هو فعل الرب؛ فهو لا يتخلف أبدا.
بقيت مسألة مهمة يقررها القرآن في مواطن عدة:
وهذا ليس من باب قضية أن الضرورات تبيح المحظورات، ومثاله:
- {وإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} ، هذا إسقاط الحكم الشرعي بالأمر القدري، فلا يجوز لأحد أن يقول بأن الله قدر لهم الفقر فكيف أنازع القدر بأن أعطيه ليصبح غنيًا؟! هذا فعل الكفار. وفي سورة الزخرف قالوا عن الملائكة: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} ، فكل هذا احتجاج باطل إذ لا يجوز إسقاط الحكم الشرعي بالاعتذار بالقدري، هذه واحدة.
-المثال الثاني الذي يطور المسألة أكثر هو قضية الطفل من أب كافر: لما يدخل الجيش المسلم ديار الكفار؛ الولد الصغير غنيمة، فلا يجوز أن يقال أن هذا الطفل لم يختر أن يكون لأبوين كافرين وأن لا فرق بينه وبين ولد مسلم؛ لأنه من باب