الاحتجاج بالأمر القدري لإسقاط الحكم الشرعي. فهذا الولد الصغير غنيمة، وقد ينشأ مسلمًا، وهكذا أبناء علمائنا، كل علماء الإسلام من التابعين كذلك؛ آبائهم سُبوا وهم أُخذوا سبايا ثم تعلموا وصاروا على هذا الدين. ولمن يعترض بكونهم لم يختاروا الكفر ولا دخلوا فيه؛ نقول أن هذا مما يدخل في: (إذا ذكر القدر فأمسكوا) [1] ، وكعبيد لله لا يضرنا ألا نفهم.
أمر هام آخر هو أن:
تحول الأمر قدرًا من حال إلى حال يوجب تغيير الحكم الشرعي:
وهذا شرح لنقطة أنه لا يجوز الاحتجاج بالأمر القدري لإسقاط الأمر الشرعي. فتغير القدر من حال إلى حال يوجب تغيير الحكم الشرعي، وهذا لأن الأحكام الشرعية معللة، أي مربوطة بمناطات قدرية:
لما نقول أن الخمر يسكر؛ فهذا حكم قدري، إسكار الخمر أمر قدري، بعدها نقول أنه حرام (الحكم الشرعي) ؛ فإذًا ما هو مناط الحكم الشرعي؟ نقول أن مناط الحكم الشرعي هو الحكم القدري، فإذا تغير الحكم القدري؛ تغير الحكم الشرعي. الآن نذكر أمثلة:
-دار إسلام فيها نصارى ويهود، فهؤلاء أهل عهد وأهل ذمة -والذمة لا تكون إلا في دار إسلام-، إذا تغير الأمر وانقلبت الدار إلى دار كفر؛ ماذا يصبح حكمهم؟ تغير الدار لا دخل للنصارى واليهود فيه، هو حكم قدري، لكن تحول هذا الحكم القدري أدى لتغير حكمهم الشرعي؛ فانقلب حكمهم من أهل ذمة إلى محاربين، وذلك لتغير الوصف القدري للدار من دار إسلام إلى دار كفر وحرب.
-وقف أهل العلم عند قوله تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} ، هذا حكم قدري، الله حبس ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ذاهب لمكة وقد بايعه أصحابه على القتال، فمنعهم وربنا -عز وجل- بقدر حيث قال: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} ؛ فهو حكم قدري، لكن هل يستفاد منه حكم شرعي؟ هذه نقطة مهمة ولم يبحثها أحد من أهل الأصول، ذكرها السيد محمد الأشقر في كتاب أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ووجدت أن العز ذكرها، وهي:
(1) عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) . رواه الطبراني في"الكبير" (2/ 96) . والحديث: صححه الشيخ الألباني في"السلسلة الصحيحة" (34)