كما قال الله -عزَّ وجلَّ- لذي القرنين: {إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} الشارع جعل له خيارًا، إما يعذب أو يتخذ فيهم حسنًا.
"بَلْ قَصْدُهُ جَعْلُهُ لِخِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ، فَمَا كَانَ مِنَ الْمُكَلَّفِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ، فَذَلِكَ قَصْدُ الشَّارِعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ؛ فَصَارَ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ":
خصال الكفارة أي إما تفعل كذا وإما تفعل كذا: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ، هذا قصد الشارع، أنت حر، تفعل هذا أو هذا، أنت بالخيار.
"أَيَّهُمَا فَعَلَ فَهُوَ قَصْدُ الشَّارِعِ، لَا أَنَّ لِلشَّارِعِ قَصْدًا فِي الْفِعْلِ بِخُصُوصِهِ، وَلَا فِي التَّرْكِ بِخُصُوصِهِ. لَكِنْ يَرِدُ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّرَفَيْنِ إِشْكَالٌ زَائِدٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرَفِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ مَا يَقْتَضِي قَصْدَ الشَّارِعِ إِلَى فِعْلِهِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَإِلَى تَرْكِهِ عَلَى الْخُصُوصِ":
الآن هو يقول هناك إشكال يَرِد، الإشكال هو العارض، أي اعتراض، ما الإشكال؟ أنه قد جاء في بعض المباحات ما يقتضي أن قصد الشارع إلى فعله على الخصوص أو تركه على الخصوص. تقدم أن قصد الشارع أن تركك إلى اختيار، لكن يرد عليه هذا الإشكال.
-أولا: ما قصد الشارع إلى فعله على الخصوص:
"فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَأَشْيَاءُ:"
-مِنْهَا: الْأَمْرُ بِالتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّبَاتِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا} [الْبَقَرَةِ: 168] ":"
هذا إشكال في الأمر (كلوا) . أنتم تعلمون أن العلماء يقولون هنا الأمر على المعنى المباح، (كلوا) ليس أمرًا شرعيًا واجبًا، لكن هو يورِدها ليرد عليها ردًا رائعًا جيدًا مفيدًا لنا.
"وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} [الْبَقَرَةِ: 51] ."