فَإِنْ قَالَ: يَخْرُجُ الْمُبَاحُ عَنْ كَوْنِهِ مُبَاحًا بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، أَوْ بِمَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهِ؛ فَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِنْ سُلِّم؛ فَذَلِكَ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ مَعْلُومٌ؛ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَإِنْ سُلِّمَ؛ فَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ الْأُخَرُ، فَيَصِيرُ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ وَالْمَنْدُوبُ وَاجِبَاتٍ، وَالْوَاجِبُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَتَحَصَّلُ لَهُ مَقْصُودٌ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِعَ لَا قَصْدَ لَهُ فِي فِعْلِ الْمُبَاحِ دُونَ تَرْكِهِ":"
انتبهوا لهذه الكلمة: (قصد الشارع) ، هذه يرددها الشاطبي حتى تملأ كتابه كله. لا بد من النظر إلى قصد الشارع لا إلى ما تريد أنت أيها المكلَّف، دائمًا النظر إلى قصد الشارع. هذه كلمة في الرد على المؤوِّلين والرد على المتلعِّبين بالشريعة. ما هو قصد الشارع؟ هل قصد الشارع أن تفعل الشيء ونقيضه؟ هل قصد الشارع أنه حلال وحرام في نفس الوقت؟ هل يمكن هذا؟ هل يمكن أن تقول بأن من قال هذا جائز وهذا واجب أن قصد الشارع الحكمين معًا فيجوز لك أن تختار؟ أنتم تعرفون على من أرد، على من يقول بمذهب التيسير، أنت هل نظرت إلى قصد الشارع؟! أنت نظرت إلى خلاف الفقهاء، خلاف الفقهاء مقصود به الابتلاء لتخرج بالحق، وليس المقصود به التلعُّب من أجل أن تختار.
لماذا يقع اختلاف الفقهاء؟ ابتلاءً للخلق، حتى يجتهدوا، وحتى يقع الأمر الدائر بين الأجر والأجرين، أنت من أين أخذته؟ هل قصد الشارع حدوثه هذا؟ وهذا الخلط بين الحكم الشرعي والحكم القدري.
ما وقع من خلاف هذا أمر قدري، وإلا فالشارع أمر أن تعلم الحق. فوقوع الخلاف أمر قدري كما يقع غزو الكفار لنا، هذا أمر قدري، ما المطلوب؟ أن تقوم بالحق، فإذًا وقوع الخلاف بين الفقهاء هذا أمر قدري وليس أمرًا شرعيًا، لو جعلته شرعيًا حينئذ يقع دين المصوِّبة -وتكلمنا عنه-. إذًا ما المطلوب فيه؟ هو الابتلاء من أجل أن تعلم الحق فيه لا من أجل أن تختار، وليس الاختيار هو دين الله -عزَّ وجلَّ-.
فدائمًا انتبهوا لكلمة"قصد الشارع"، ما الذي يريده الله منا في هذا الباب؟ أن نعلم الحق، أن ندرسه، أن نجتهد حتى نعلم الحق الذي يحبه الله فنأتيه.
"فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِعَ لَا قَصْدَ لَهُ فِي فِعْلِ الْمُبَاحِ دُونَ تَرْكِهِ، وَلَا فِي تَرْكِهِ دُونَ فِعْلِهِ. بَلْ قَصْدُهُ جَعْلُهُ لِخِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ":