ما هي مقومات القراءة التي تؤدي إلى النتيجة المطلوبة:
أعظم ما تصل إليه القراءة ما سميته في كتاب (فن القراءة) بالقراءة الجدلية، وأنا أنبه؛ لا يوجد قراءة طهرية، لا يوجد قراءة انتقائية، كل الذين يقرؤون قراءة طهرية انتقائية لا يستفيدون، فعليك أن تقرأ قراءة استيعابية (أن تقرأ كل شيء فن من فنون العلوم) ؛ والذي يسأل: ما هو أفضل كتاب في مصطلح الحديث؟ هذا سائح على العلم، يتصور معه ثم يرجع إلى عمله وحياته، والسياحة في العلم لا تنفع، لا بد أن تكون فيه مقيمًا.
فأولًا لا بد من القراءة الاستيعابية، ثم تصل إلى القراءة الجدلية، وهي أن يصبح بينك وبين الكتاب -أخذ وعطاء نقد، قبول، رد، تعليق، زيادة-، وهذا لا يأتي إلا بعد القراءة الاستيعابية للكتب.
وهناك أمراض للقراءة:
وأنبه على مرض مهم جدًا، وهي أن تتعامل مع الكاتب -مهما كان- كأنه لص يريد أن يبتلعك إلى داخله، وإلى فكرته حتى يأسرك.
في الابتداء عليك أن تقرأ من يستحق أن يسرقك من العلماء الثقات؛ لأنك لا تملك من أدوات الكشف، فأنت مضطر، كما يسلم الولد نفسه إلى أبيه؛ لأنه يخلص له ويعلم أنه يدافع عنه، لكنه حينما يكبر وينضج لا بد أن يتعامل مع الكتاب تعامل الصديق الذي بينه وبينه نحو الحاجز يأخذ منه ويذر يقبل منه ويطعن؛ فحينها إياك أن يبتلعك الكاتب، بل ضع دائما بينك وبينه حاجز في النظر، وتعامل مع الكتاب تعاملَ العالم، تعامل المدقق، تعامل البصير، تعامل الحاكم العادل مع الكتاب.
وأنا أنبه أن القراءة أوسع من فعل النظر في الكتاب، لكنه أصلها، فأنت تقرأ الصورة، تقرأ الكلمة، تقرأ الحدث، واليوم عليك ألا يبتلعك الكاتب، فعليك أن تقرأ بدقة واحتراف وأمانة، وأن تحذر من قصف العقول -سواء كان في الإعلام أو في الكتب أو الجرايد أو في جلسات بث الأخبار إلى آخره-، وقصف العقول هو أن يسرقك أحدهم إلى منهجه، إلى فكرته، إلى خبره، وللأسف الكثير من الناس إنما هم كالعجين؛ بمجرد وضع اليد تترك البصمات عليهم، وهذا مما قال الله فيه: {وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} ، و"الأذن الواعية"هي المنهج الإيماني.
طيب، ماذا يطلب منا الشيخ في كتب علم المتخصصين؟