الدرس [33]
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وإمامنا وحبيبنا وسيدنا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا هو الدرس الثالث والثلاثون من دروس شرح كتاب (الموافقات) للإمام أبي إسحاق الشاطبي المتوفى سنة سبعمائة وتسعين للهجرة، وما زلنا مع المقدمة الأخيرة -وهي المقدمة الثالثة عشرة-، وقد تقدم الكلام عن التفريق بين الإخبار القدري بالوعد وبين الأمر الشرعي -وهي نقطة مهمة-، وسبب هذا الإشكال أن من صيغ الأمر: إتيانه على صيغة الخبر، وهذه الصيغة هي من أعلى صيغ الأمر، وهذه قليل من يذكرها من أهل الأصول، وذلك مثل قوله -عز وجل-: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ، فهذه صيغة خبر، ليس فيها صيغة أمر، ليس فيها"افعلْ"، بل فيها خبر، لكن هذا الخبر هو في الحقيقة أمر، أي:"حُجوا في الأشهر المعلومة من أشهر الحج"، وكقوله - صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من هاهنا -وأشار إلى جهة المشرق-، وأدبر النهار من ههنا -وأشار إلى جهة المغرب-؛ فقد أفطر الصائم) ، هذا خبر، ولكن المقصود به هو الأمر، أي:"عليكم أن تفطروا".
وقد يسأل سائل -وهذا من جهة بلاغية-: لماذا يأتي الأمر بصيغة الخبر؟ لتأكيد الأمر، وذلك ليرقى فعل الفاعل إلى درجة إبطال مخالفه، بمعنى أن لا قيمة لفعله لو خرج عن هذا الأمر، أي أن الفعل إذا جاء على غير الذي أمر الله -عز وجل- به فلا قيمة له. مثال: لما قال - صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم) ، فلو أراد المرء أن يبقى صائمًا -بمعنى الصوم اللغوي بمعنى الامتناع عن الأكل والشرب والمفطرات-؛ فيعني هذا أنه لا قيمة لصومه لأنه سواء أكل أم لم يأكل فقد دخل في حكم الإفطار. وفي كقوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ، بمعنى أن من حج في غير أشهر الحج فحجه باطل. بل أشد من الأمر، هو تأكيد في النهي عن أضداده، لأنهم اختلفوا: هل الأمر بالشيء يفيد النهي عن أضداده؟ والصواب: نعم، إذا قال لك:"اجلس"؛ فلا يجوز لك أن تقوم، ولا أن تمشي، ولا أن تجلس. لكن النهي عن الشيء ليس أمرًا بضده: فإذا قيل لك:"لا تجلس"؛ فهل هي أمر بالقيام؟ لا، لأنه يجوز لك أن تنام.
تكلمنا عن كيفية التفريق بين الأمر الشرعي والأمر القدري، وبينا الآن لماذا يقع الإشكال كما يقولون، وتكلمنا أنه لا بد من النظر إلى الأمر على مجال العادات.
"ويقع ذلك في فهم الأقوال، ومجاري الأساليب، والدخول في الأعمال":