فهرس الكتاب

الصفحة 679 من 809

وهذه شرحناها وقلنا أن الأفكار تتشكل بشكل نفسية الملقى إليه: الشجاع، البليد، إلخ، ولذلك قلنا أن الله لم يتخذ وليًا جاهلًا، ووجود الفطرة السليمة عند العربي هي التي استحقت نزول الإسلام عليه، حتى في لغته، حتى في تصوره للحياة، حتى وجود القيم الفطرية التي عاش عليها وتربى عليها من شجاعة وكرم وعزة نفس إلى آخره، كلها هي الوعاء التي نزل فيها الإسلام واستحق التقاء الوعاء وامتزاجه بما فيه.

فهذا صحيح؛ لكن ماذا يريد العقاد أن يقول مثلًا بعبقرية محمد؟ يريد إلغاء الوحي، والله قال: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} ، {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} ، اتبع ما يوحى إليك من ربك، هذا النبي متبِّع، فعظمة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه نبي، لكن يأتي سؤال: هل هذا النبي هو إنسان عادي ليس فيه القواعد النفسية التي هي مبنية على الفطرة السليمة التي تلتقي مع النبوة؟ الجواب: لا، لا يقول هذا أحد، وهو قبل النبوة رجل عظيم، فالتقت صفاته مع النبوة. أبو بكر في قومه رجل عظيم، التقى هذا مع الإيمان، وهذا كله سنة.

فقط يبقى السؤال: لماذا أعطى الله ومنع، لماذا جعل هذا مؤمنا وهذا كافرا، لماذا هذا أعور وهذا جاهل؟ هذا لا دخل لنا فيه ولا نفهمه: (إذا ذكر القدر فأمسكوا) .

نحن نؤمن بأن الله -عز وجل- عدل، هذه لا يمكن أن تنخرم أبدًا، ونؤمن أن الله حكيم، وهذا لا تنخرم، ونؤمن أن الله رحيم، فالعدل أمر يسع الناس في مرتبة واحدة، والحكمة تسع الناس في مرتبة واحدة، لكن الرحمة يتفاوت العطاء الإلهي فيها، على أي وفق يتفاوت؟ هذا ما لا نعلمه، لكن نعلم أن الله عدل، نعلم أن الله حكيم، لكن رحمته لمَ يعطيها لفلان، لمَ يمنعها عن فلان؟ {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} ، لكن هل لها سبب؟ نرجع هنا للقواعد التي ذكرنا: نعم لها سبب، ما هو؟ نقول: (إذا ذكر القدر فأمسكوا) ، الناظر في القدر كالناظر إلى الشمس؛ كلما ازداد نظرًا ازداد عماءً.

وهذه فائدة استفدتها من ابن الوزير اليماني -جزاه الله خيرا- في (العواصم والقواصم) ، ليس كتاب ابن عربي، وهو من معاصري ابن تيمية ولم يلقه ولم يسمع منه، ولكن كلاهما من مشرب واحد، ومن غذاء واحد،

قضية القدر هي ابتلاء الله للبشرية، حتى يعلموا أنهم عاجزين وجهلة، والدليل أن الروح لا نعلم حقيقتها؛ فكيف نعرف كيف بني الأمر الأول!

بارك الله فيكم، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت