فهرس الكتاب

الصفحة 794 من 809

"وَعَلَى الْخُصُوصِ قَدْ جَاءَ مَا يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الْكَرَاهَةِ فِي بَعْضِ مَا ثَبَتَتْ لَهُ الْإِبَاحَةُ؛ كَالطَّلَاقِ السُّنِّيِّ؛ فَإِنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ: (أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ) ":

لكن ما هو الأولى، الطلاق أم عدمه في الشريعة؟ إذًا هو قال: (فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما) ، ويُؤدم من الإدامة وهي الطول، فإذًا الشارع حضَّ على دوام الزواج وعدم الطلاق، وإن كان هذا الحديث لا يصح ولكن الشريعة تحضُّ على دوام الزواج، وهذا أصل يجب المصير إليه في رد ما يُسمى الزواج بنية الطلاق، وما ينبغي أن يُفتى بها لأنها ناقضة لهذا الأصل مع أمور أخرى. الزواج بنية الطلاق هذا فاسد، ولا ينبغي للمرء أن يفعله.

"وَلِذَلِكَ لَمْ يأتِ بِهِ صِيغَةُ أَمْرٍ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ بِالنِّعَمِ":

يعني لم يأتِ صيغة في الطلاق.

"وَإِنَّمَا جَاءَ مِثْلُ قَوْلِهِ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [الْبَقَرَةِ: 229] ":

قوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} صيغة من صيغ الإباحة، وإن كان الأولى تركه.

وهنا قاعدة: إذا جاء حكم في القرآن لشيء؛ دلَّ على إباحته، ما لم يأتِ دليل رافع، ومثال ذلك قوله تعالى: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} فذكر الشارع عِدَّةً للمرأة التي لم تحِض، ذكر لها حكمًا، أن عدتهن ثلاثة أشهر، فلما وضع لها الشارع حكمًا دلَّ على الجواز، دلَّ على أنه يجوز للرجل أن يتزوج امرأة لم تحض لأنه وضع لها حكمًا.

ولكن قد يضع الشارع حكمًا ثم يذكر استثناءه بحكم آخر دلَّ على الجواز أو على خلاف الأولى، -وخلاف الأولى هذه مسألة يأتي إليها الشاطبي-، مثال ذلك أجمل ما يُشرح فيها في سورة النساء. أنتم تعلمون أن الشارع قدَّم بقوله في سورة النساء بأمره بالهجرة: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} وذكر بعد ذلك أمر الهجرة، ثم قال: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا * وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا} ، فهذا هو الحكم الأصلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت