فهرس الكتاب

الصفحة 785 من 809

جائعًا - صلى الله عليه وسلم - هو أبو بكر وعمر والتقوا في الليل وذهبوا إلى بيت الأنصاري، فقال الأنصاري: من أكرم منا أضيافًا هذه الليلة ووضع أمامهم الجدي المشوي، أكلوا منه حتى شبعوا، ثم قال: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} ، فلو كان الأكل منه عيبًا لما أقدم عليه - صلى الله عليه وسلم -، ولكن العيب هو ألا يشكره.

حينئذ يترتب على هذا المباح مما تقدم من شروطه، وقد يكون الشرط واجبًا لهذا المباح؛ هل الشكر واجب؟ شكر المنعِم واجب على المنعَم عليه. فلذلك هو عليه أن يحمد الله، وإلا لكان هذا النعيم المباح وزرًا على صاحبه لعدم قيامه بشرطه. إذًا الطريقة هي فهم زهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وليس هذا حجة للمتنعمين، لذلك قال الله -عزَّ وجلَّ-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} هل النبي عنده زينة الحياة الدنيا؟ لا، ما عنده. فلما أكثرن عليه في الطلب، أنزل الله -عزَّ وجلَّ- هذه الآيات محذرًا نساءه، مع زهدهنّ وورعهن إلى غير ذلك، فقال ربنا -سبحانه وتعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} ما عندي، {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} ، {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} . هذا إحسان، وبعد ذلك سكتن وقبِلن، وهذا من فضل أمهات المؤمنين أنهن قبلن الدار الآخرة.

"وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَرْكَ الْمُبَاحَاتِ من حيث إنه مباح؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَصْدٍ؛ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، بَلْ هُوَ غَفْلَةٌ لَا يُقَالُ فِيهِ:"مُبَاحٌ"، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ فِيهِ:"زُهْدٌ"، وَإِنْ كان تركه بقصد؛ فإما أن يكون الْقَصْدُ مَقْصُورًا عَلَى كَوْنِهِ مُبَاحًا، فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، أَوْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ؛ فَذَلِكَ الْأَمْرُ إِنْ كَانَ دُنْيَوِيًّا كَالْمَتْرُوكِ؛ فَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ مُبَاحٍ إِلَى مِثْلِهِ لَا زُهْدٌ، وَإِنْ كَانَ أُخْرَوِيًّا؛ فَالتَّرْكُ إِذًا وَسِيلَةٌ إِلَى ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ؛ فَهُوَ فَضِيلَةٌ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ، لَا مِنْ جِهَةِ مُجَرَّدِ التَّرْكِ، وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا":

هذا كلام واضح، ما فيه ضرورة نقف عنده. وزيادة عليه تُعتبر كالطعام على الطعام مفسدة له.

"وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَسَّرَهُ الْغَزَّالِيُّ":

نحن قلنا من مصادر الشاطبي كتاب (الإحياء) ، و (الإحياء) من القديم وصل إلى المغرب وأُحرق في حياة أبي حامد الغزالي، أُحرق الإحياء لما وصل إلى هناك وقرأه العلماء ورأوا فيه نَفَسًا فلسفيًا، والعلماء المالكية يكرهون الفلسفة في زمانهم، فرأوا فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت