نفسًا فلسفيًا ورأوا فيه أمورًا مبتدعة كما ذكر المازري وألَّف كتابًا في الرد عليه، فأحضروا نسخ (الإحياء) وأحرقوها، فالإحياء قديمٌ في المغرب.
وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَسَّرَهُ الْغَزَّالِيُّ؛ إِذْ قَالَ:"الزُّهْدُ عِبَارَةٌ عَنِ انْصِرَافِ الرَّغْبَةِ عَنِ الشَّيْءِ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ":
هذا الضبط، هذا من الكلام الرائع، الزهد ليس هو مجرد الترك، إنما الترك لما هو خير منه، لماذا أنت تتركه؟
"فَلَمْ يَجْعَلْهُ مُجَرَّدَ الِانْصِرَافِ عَنِ الشَّيْءِ خَاصَّةً، بَلْ بِقَيْدِ الِانْصِرَافِ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِهِ -أي في تفسير الزهد، وليس في تفسير الغزالي، فالغزالي ليس له تفسير-:"وَلَمَّا كَانَ الزُّهْدُ رَغْبَةً -رغبة عن: أي ترك، رغبة إليه: إقبال إليه- عَنْ مَحْبُوبٍ بِالْجُمْلَةِ؛ لَمْ يُتَصَوَّرْ إِلَّا بِالْعُدُولِ إِلَى شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ مِنْهُ":"
هذه قاعدة: انعدام وجود المعدوم في الوجود -هذه صياغتي-؛ الفراغ ممنوع. ولذلك هل يُتصوَّر وجود أحد لا يعبد أحدًا في الدنيا؟ لا يُتصور، واحد لا يعبد شيئًا؟! من لا يعبد ربنا -عز وجل- فإنه عابد غيره ولا بد، لا يوجد فراغ. الفراغ معدوم في هذه الدنيا. ينبغي أن نفهمها. فلذلك لو ترك الواحد شيئًا لا بد أن يتركه لشيء آخر.
والصوفية لهم كلمة جميلة يرددها ابن القيم:"التخلية ثم التحلية". لا يوجد تخلية في الحقيقة، لا بد تخلية يعني أبدلتها بغيرها، أخليت قلبك من حب غير الله ملأته بحب الله -عزَّ وجلَّ-، أخرجت من قلبك حب الله يدخل حب غيره، الدنيا لا يوجد فيها فراغ. وهذه مهمة في قضية الحكم على الحضارات وسقوطها؛ إن الحضارات لا يمكن أن تبيد إلا مع وجود غيرها، لا يوجد فراغ.
ولذلك يقول:"لَمْ يُتَصَوَّرْ إِلَّا بِالْعُدُولِ إِلَى شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ مِنْهُ":
نحن نفهم أنه لما نطبق قاعدة على أمر فرعي فإنها صادرة من أمر كلي، نحن نتكلم عن قضية صغيرة ولكنها يجب أن تُعمَّم للوجود، ولازم الحق حقٌ.
"وَإِلَّا؛ فَتَرْكُ الْمَحْبُوبِ لِغَيْرِ الْأَحَبِّ مُحَالٌ":
هل هذا صحيح؟ هي كلمة رائعة منه، لكن نضع عليها بعض الاعتراضات. هل الدافع للفعل في ترك الشيء هو الحب فقط؟ أم أن ترك الشيء يتم بالإرادة؟ والإرادة هي قوة الدافع والعلم، قوة الدافع هل هو فقط الحب أم العلم بالعاقبة؟ لماذا ترك يوسف