فهرس الكتاب

الصفحة 784 من 809

إذًا الكناية أشد، فيها شرط آخر، مع ارتباطها. يقول أهل البلاغة: إنما يُعرف البلاغي والمتقدم في الكلام بكثرة استخدامه للمجاز.

القصد من أين أُخذت (المجاز) ؟ أُخذت من (جاز) ، يعني انتقل، حملناها من أصلها ووضعناها في مكان آخر، هذا هو أساسها.

ولا تذموه لذم سلفنا له لوجه شرعي دقيق ومهم؛ لأنهم أرادوا أن يقولوا يد الله أجزناها من اليد إلى معنى آخر وهو القدرة، نقول لهم: غير صحيح. لأن السبب هو عدم امتناع الأصل، من أين أتيت بأن الأصل ممتنع؟ إلى آخره.

هو يقول هنا"فعلى جهة المجاز"يعني أطلقوا الزهد على ترك الحلال من باب المجاز وليس من باب الأصل. نحن قلنا المجاز فيه أصل، جناح الطائر انتقل إلى جناح الذل، ففيه إجازة، فهو يقول انتقلنا من الأصل إلى شيء آخر.

لكن لماذا؟ أكمل العبارة حتى لا تفوتنا المعاني:

قال:"فَإِذَا أَطْلَقَ بَعْضُ الْمُعَبِّرِينَ لَفْظَ الزُّهْدِ عَلَى تَرْكِ الْحَلَالِ؛ فَعَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَفُوتُ مِنَ الْخَيْرَاتِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ، بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَفُوتُ مِنَ الْخَيْرَاتِ":

لأنه لو لم يزهد لفاتته الخيرات، فصار الزهد ممدوحًا بترك الحلال، لأنه كان سبيلًا إلى فعل الخيرات.

"وَالثَّانِي: أَنَّ أزهد البشر - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَتْرُكِ الطَّيِّبَاتِ جُمْلَةً إِذَا وَجَدَهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ، مَعَ تَحَقُّقِهِمْ فِي مَقَامِ الزُّهْدِ":

إذًا الآن دخلنا في موضوع مهم جدًا وهو صورة الزهد في مقامها الأجلى والأعظم، وكل ما يُذكر في التاريخ من زهد تحت هذه الصورة الجميلة المطلقة الكاملة من مقام الحبيب إنما يجب أن يبقى مقياسها قليلًا، ضعيفًا، زائدًا، ناقصًا، يُعاب عليه، يُقبل منه إلى آخره .. إنما صورة الزهد الحقيقية هي صورة قوله - صلى الله عليه وسلم: (والله إني أتقاكم لله -عزَّ وجلَّ-) ، فهو - صلى الله عليه وسلم - كان مقامه في الفعل هو مقام الزهد على الحقيقة، إذًا الذي بعده لا يجوز أن يُؤخذ منه إلا على جهة الاعتبار بالنسبة لهذا المقام، ولا يجوز أن يُستقل به.

وما وجدنا للصحابة فعلًا إلا وله مقصده ومقامه، قد يقترب وقد يبتعد ولكن المقصد صحيح. لما ترك عمر أكل اللحم في عام الرمادة كان له مقصده، النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدته أنه إذا وجد الشيء لم يتركه وإذا فقده لم يسعَ إليه، والدليل على ذلك أنه لما خرج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت